عيب التّصنيفات!

ترجمة هنا لبنان 16 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب مارك صيقلي لـ”Ici Beyrouth“:

كان يبلغ ثلاثة وعشرين ربيعًا. توفّي كوانتان هذا الأسبوع في ليون بعد اعتداء موصوف بالوحشيّة الصّادمة. ينتمي منفّذو الجريمة إلى أقصى اليسار. وقعت المأساة على هامش مؤتمر للنّائب الأوروبيّ ريما حسن، وهي شخصيّة مُثيرة للجدل، ووجه بارز في حركة “فرنسا الأبيّة”.

وتغيّر مسار السّرد بسرعة البرق، كما يحدث غالبًا في أيّامنا الحاليّة. ولم يقتصر على ما ألمّ بشاب يافع، بل بما كان يُفترض أن يكون عليه هذا الشّاب.

انهمر وابل من الأوصاف في السّاعات الأولى: “قريب من”، و”هويّاتيّ”، و”ناشط”، و”قوميّ”. كلمات قد تسلّط الضّوء على التزامٍ ما، غير أنّها، من حيث لا نشعر، تحدث تغييرًا في زاوية النّظر. ويختفي الإنسان خلف التّصنيف. وتتحوّل الضحيّة إلى شخصيّة سياسيّة. وتنشأ إلى جانبها نزعة خطيرة: تفسير العنف بهويّة مَن يتعرّض له.

حين يدخل العنف إلى المجال السياسيّ، يتوقّف الموت عن كونه فضيحة مُطلقة ليصبح حجّة. ويُوضَع في سياقٍ معيّنٍ، ويُعاد أحيانًا توزيع المسؤوليّات. كما لو أنّ الانتماء إلى معسكر، سواء كان حقيقيًّا أو مفترضًا، يُسخِّف فداحة جريمة القتل.

لكنّ الديمقراطيّة لا تصمد في ظلّ منطق مماثل. لأنّ الحدود الأولى الّتي يتعيّن عليها حمايتها، بسيطة: ممنوع أن تتسبّب الأفكار في موت صاحبها، بغضّ النّظر عن ماهية هذه الأفكار.

ليست المسألة في معرفة إذا كان تفكير كوانتان صحيحًا أم مخطئًا، أو تصويته جيّدًا أم سيّئًا، أو إيمانه مناسبًا أم غير مناسب. المسألة هي ما إذا كان العنف السياسيّ قد بدأ يعود مقبولًا، ما دام يستهدف “المعسكر السيّئ” الّذي تحدّده الذهنيّة السّائدة. من هنا ينبع عدم الاطمئنان.

فالتاريخ يُظهر إلى أي حدّ يُمهّد الخطاب للانقسامات. في لبنان، ترافقت الكلمات مع السّلاح في بداية الحرب الأهليّة. ويتذكّر مَن هم أكبر سنًا ما أوردته الصّحف آنذاك. فالمسيحيّون وُسموا بـ “الانعزاليّين المحافظين”، وأُطلق على منظّمة التّحرير الفلسطينيّة بقيادة ياسر عرفات، وعلى حلفائها، تصنيف “الإسلامو-تقدميّين” الغريب.

كانت الصّفات تمنح فهمًا واهمًا، غير أنّها استُخدمت أساسًا لتحديد “أعداء شرعيّين”. وحين يُختَزل الإنسان في فئةٍ ما، يجد العنف دائمًا مبرّرًا له.

لا تمثّل فرنسا، بطبيعة الحال، لبنان السبعينيّات. غير أنّ الآليّة الإنسانية لا تتغيّر. تُبنى استنكارات انتقائيّة، وشيئًا فشيئًا، تتحوّل وفاة شاب في ربيع العمر إلى مجرّد حلقة في مواجهة.

ليس الخطر في العنف بحدّ ذاته فحسب، بل في اكتساب العادة وتبنّيها.

أمّا الصّحافة، فيتعيّن أن يشكّل دورها، كما دور المسؤولين السياسيّين، عكس ذلك: مهمّة التّذكير بأنّ ثمّة حياة خلف الكلمات، ورفض تفسير القتل بالتزام الضحيّة المفترض.

كان يبلغ ثلاثة وعشرين ربيعًا.

ربّما هي الحقيقة الوحيدة المهمّة اليوم. فإذا بدأ مجتمع ما في تصنيف أمواته وفق أفكارهم، فهو قد بدأ فعلًا بخسارة أمر جوهريّ: القناعة بأنّ العنف السياسيّ يبقى دائمًا هزيمة جماعيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us