“طا” Liban … أو دولة محتجزة كرهينة

ترجمة هنا لبنان 17 شباط, 2026

كتبت Tylia El Helou لـ”Ici Beyrouth”:

المصطلح مستفزّ. المصطلح صادم. غير أنّه يجسّد شعورًا يتفشّى يومًا بعد يوم: يشبه وضع لبنان حال أي رهينة. رهينة نظام سياسيّ يحمي نفسه بنفسه. ورهينة ميزان قوى مسلّح يتجاوز الدولة. ورهينة حكومة تتحدّث عن إصلاحات فيما المجتمع ينهار.
وتحت قيادة نوّاف سلام، تعدُ الحكومة بالتّعافي، والمصداقيّة الدوليّة. الخطاب مضبوط الإيقاع، ويطمئن وزارات الخارجيّة والمؤسّسات الماليّة. أمّا الواقع في شوارع طرابلس، وصيدا، وبيروت، فمختلف تمامًا: فقر متفاقم، وبنى تحتيّة منهارة، وخدمات عامة متحلّلة، وشباب في منفى دائم.
التّباين صارخ. من جهة، سرديّة تكنوقراطيّة. ومن جهة أخرى، بلد في خراب.
الدولة تحت وصاية داخليّة
لا يشهد لبنان أزمة اقتصاديّة فحسب. بل أزمة سيادة أيضًا. طالما يحتفظ حزب الله بقدرة عسكريّة مستقلّة، ويفرض أجندته الاستراتيجيّة، تبقى الدولة شبه معطّلة.
يخلق هذا الاختلال في التّوازن شللًا مزدوجًا:
في الدّاخل، يستحيل فرض أي إصلاح بنيويّ فعليّ، من دون احتساب ميزان قوى أمنيّ، يفلت من سلطة الحكومة. وفي الخارج، يظهر البلد هشًّا، وغير مستقرّ، ومتغيّر بشكل غير متوقّع، ما يعزّز اعتماده الماليّ.
في هذا السّياق، تمارس الحكومة الإدارة، لكنّ قرارها منقوص. تتعامل مع الشحّ، من دون أن تتحكّم في آليّات النّفوذ الجوهريّة.

طرابلس، رمز التخلّي
تجسّد طرابلس، ثاني أكبر مدينة في البلاد، هذا الإفلاس: يتكدّس فيها الفقر، والبطالة الواسعة، والتّهميش المزمن. وتتوالى وعود التّنمية منذ عقود، لكنّ أي منها لم يتحقّق.
عندما تترك دولة مدينتها الثّانية تغرق في الهشاشة، يتعدّى الموضوع مجرّد تأخّر اقتصاديّ بسيط؛ ويصبح انعكاسًا لبنية سياسيّة عاجزة عن تحقيق العدالة على أرضها.
وطن يتخلّى عن ضواحيه، يتصدّع من الدّاخل.

الإصلاح كتعويذة
يُردّد نوّاف سلام إنّ كل شيء سينتظم إذا مضت “الإصلاحات” في مسارها. تعديلات ضريبيّة، وإعادة تنظيم الموازنة، وتدابير غير شعبيّة تُقدَّم كضرورة: الحجّة لا تتغيّر. لا بدّ من شدّ الحزام اليوم لبناء غد أفضل.
أمّا السّؤال فيبقى: أي إصلاح هذا، ولمن؟

حين تتحوّل القرارات إلى زيادة في الضّرائب، وارتفاع في الأسعار، وضغط متزايد على أسر منهكة أصلًا، يغدو الإصلاح أقرب إلى تحميل الأعباء منه إلى إعادة هيكلة عادلة.
وتصبح المصداقيّة الدوليّة أولويّة معلَنة. إرضاء المؤسّسات الماليّة، وطمأنة المانحين، وإظهار “الحوكمة الرشيدة”: يوحي هذا السعي خلف التّزكية الخارجيّة بأنّ جمهور الحكومة الأساسيّ لم يعدِ المواطن اللبنانيّ، إنّما المجتمع الدوليّ.
لكنّ إعادة بناء دولة، لا تقتصر على الامتثال لمتطلّبات الخارج فحسب، بل تعتمد على ثقة الدّاخل.

وهم السّيطرة
يعيش لبنان اليوم وهمًا: وهم يتعلّق بعمليّة تحت السّيطرة. وتتحدّث البيانات الرسميّة عن مسار، وعن خطّة، وعن استقرار تدريجيّ.
وعلى أرض الواقع، ينهش التضخّم المداخيل، وتفقد الأجور قيمتها الحقيقيّة، وتتداعى الخدمات العامة، وتفرغ الهجرة البلاد من كفاءاتها البشريّة.
ويراقب الشّعب حكومة تؤكّد إنّها تمسك بالدفّة، فيما تتسرّب المياه إلى السّفينة من كل جانب.

“طا” Liban: الانزلاق الرمزيّ
ليس العنوان “طا” Liban مزجًا دينيًّا، ولا تبسيطًا كاريكاتوريًّا، بل هو انزلاق: انزلاق دولة تفقد تدريجيًّا قدرتها على الاستقلال السياسيّ، والاقتصاديّ، والأمنيّ.
بلد، لا تتزامن فيه السّلطة الفعليّة دائمًا مع السّلطة المؤسسيّة.
بلد، تفرض فيه حالة الطّوارئ الماليّة، القرارات الاقتصاديّة.
بلد، يدفع فيه المواطنون ثمن نظام لا يتحكّمون به.
أن تكون رهينة، لا يعني الوقوع تحت سلطة السّلاح فحسب. إنّه الحرمان من هامش المناورة الجماعيّة. إنّه رؤية خياراتك قيد المصادرة، وأولويّاتك مستَبدلة بأخرى، وتضحياتك مفروضة بلا أي ضمانة للتّعافي.

أمّة تلفظ أنفاسها الأخيرة
ليس الانهيار الاقتصاديّ هو المقلق أكثر من غيره. إنّه تآكل الثّقة.
حين يبلغ اللّبنانيّون حالة لا يتوقّعون فيها شيئًا من قادتهم، وحين ينظرون إلى كل قرار وكأنّه قيد جديد، وحين يقتصر الأفق على الهجرة، أو على الصّمود اليوميّ، ينكسر العقد الاجتماعيّ.
يسعى نوّاف سلام إلى الظّهور كرجل المرحلة. سيحكم التّاريخ بذلك. أمّا اليوم، فالبلاد لا تبحث عن صورة مطمئنة. إنّها تبحث عن قطيعة حقيقيّة، وعن إعادة توازن سلطويّ، وعن إصلاح لا يقتصر على الميزانيّة بل يشمل السّياسة أيضًا.
لا يحتاج لبنان إلى مجرّد تعديلات فحسب. يحتاج لبنان إلى استعادة حريّة قراره.
وبخلاف ذلك، سيبقى لبنان كما يخشى الكثيرون: بلدًا معلّقًا، ومشلولًا، ورهينة تناقضاته الخاصّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us