هل يمكن أن يؤخّر لقاح الهربس النطاقيّ مظاهر الشّيخوخة؟!

ترجمة هنا لبنان 19 شباط, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:

يطرح فريق من جامعة “University of Southern California” فرضيّةً مثيرةً للاهتمام. فقد يرتبط اللّقاح ضدّ الحزام الناريّ، بين نحو 3,800 من كبار السنّ، بمؤشّرات بيولوجيّة تظهر شيخوخةً تتقدّم بوتيرة أبطأ. فهل الأمر مجرّد ترابط إحصائيّ، أم إشارة بيولوجيّة فعليّة؟

الشّيخوخة ظاهرة معقّدة، تترافق مع تآكل الخلايا التدريجيّ، والتهاب مزمن غير واضح، وجهاز مناعيّ يفقد فعاليته تدريجيًّا. ومنذ نحو عقد من الزّمن، يستخدم الباحثون مصطلح “التهاب الشّيخوخة” (inflammaging)، وهو دمج بين مصطلحيْ الالتهاب والشّيخوخة، لوصف هذا الالتهاب الخفيف الّذي يترسّخ مع التقدّم في السنّ، ويعزّز الإصابة بأمراض القلب، والأوعية الدمويّة، والأمراض التنكسيّة العصبيّة، والاضطّرابات الأيضيّة.
في هذا السّياق، طرح فريق من جامعة “University of Southern California”، في دراسة نشرتها مجلّة “The Journals of Gerontology”، سؤالًا مفاجئًا: ماذا لو لم يقتصر لقاح الحزام الناريّ على الوقاية من العدوى، بل يحمل تأثيرًا أيضًا على الطّريقة الّتي نتقدّم بها في العمر؟

حلّل الباحثون بيانات نحو 3,800 أميركيّ مسنّ ضمن الدّراسة الواسعة “Health and Retirement Study”، وقارنوا بين أشخاص تلقّوا لقاح الحزام الناريّ، وآخرين لم يفعلوا، من خلال دراسة مؤشّرات بيولوجيّة متعدّدة: مستويات الالتهاب في الدم، ونشاط بعض الجينات، وساعات الشّيخوخة الـ “لا جينيّة” القائمة على مثيلة الحمض النوويّ. وتُتيح هذه الأدوات تقدير العمر البيولوجيّ الّذي قد يختلف عن العمر الزمنيّ.

النتائج ملفتة. فبشكل عام، أظهر الأشخاص الملقّحون مستويات التهاب أقلّ، وخصائص بيولوجيّة تتوافق مع شيخوخة أبطأ بقليل. وكان الأثر أكثر وضوحًا في السّنوات الّتي تلت اللّقاح. وحتّى بعد اعتبار الحالة الصحيّة، والوضعيْن الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وإمكان الوصول إلى الرّعاية الصحيّة، بقيَ الارتباط جليًّا.

ولكن، هل يمكن القول إنّ لقاح الحزام الناريّ يُعيد الشّباب؟ الجواب هو كلّا. فالدّراسة رصديّة، وتظهر علاقة ارتباط، لكنّها ليست دليلًا مباشرًا على السببيّة. ومن المُحتمل أن يكون الأشخاص الّذين تلقّوا اللّقاح أكثر ميلًا إلى اتّباع نمط حياة صحيّ، بالأساس. وقد حاول الباحثون تصحيح هذا الانحياز، إلّا أنّ أي تعديل إحصائيّ لا يستطيع إلغاء ما يُعرف بتأثير “الملقّحين الأكثر صحّة” بالكامل. وعلى الرغم من ذلك، تتماشى هذه النّتائج مع اتّجاهات رُصدت في أبحاث أخرى.

ففي عام 2024، أشارت دراسة نشرتها مجلّة “Nature Medicine” الطبيّة، إلى ارتباط اللّقاح المؤتلف ضدّ الحزام الناريّ بانخفاض خطر الإصابة بالخرف. وفي عام 2025، أفادت المجلّة بأنّ تحليلًا شبه تجريبيّ في “ويلز” أظهر تراجعًا بنحو 20% في تشخيصات الخرف لدى الأشخاص المُلقّحين. ومرّة أخرى، تبقى هذه النّتائج في إطار الارتباطات، لا الأدلّة القاطعة، لكنّ المؤشّرات تتقاطع.

كيف يمكن تفسير أثر مماثل؟ تتعلّق إحدى التّفسيرات المحتملة بفيروس الحماق – النطاقيّ بحدّ ذاته. فبعد الإصابة بالجدري المائيّ في فترة الطّفولة، يبقى الفيروس كامنًا في العقد العصبيّة، وقد يعاود الظّهور بعد سنوات على شكل حزام ناريّ، مسبّبًا ألمًا والتهابًا. وحتّى في غياب أعراض واضحة، قد تؤدّي إعادة تنشيط طفيفة إلى تحفيز مناعيّ مُزمن. ومن خلال منع هذه الانتكاسات، قد يقلّل اللّقاح من تأثير مصدر صامت للالتهاب المزمن.

تقوم فرضيّة أخرى على ما يسمّيه علماء المناعة بالمناعة المدرّبة. ويبدو أنّ بعض اللّقاحات تُعدّل بشكل دائم وظيفة المناعة الفطريّة، وهي خطّ الدّفاع الأوّل للجسم. وقد لوحظت هذه الظّاهرة، خاصة مع لقاح “BCG”، وقد تشمل أيضًا اللّقاحات الحديثة ضدّ الحزام الناريّ. إذ قد يُقلّل تنظيم المناعة بشكل أفضل من الالتهاب العام، ويُبطئ بعض الآليّات المرتبطة بالشّيخوخة.

مع ذلك، ينبغي التّوضيح إنّ الدّراسة الأميركيّة ركّزت أساسًا على اللّقاح الحي المعطَّف القديم، المستخدم قبل عام 2017 في الولايات المتّحدة. أمّا اليوم، فيوصى في فرنسا باستخدام اللّقاح المؤتلف للأشخاص الّذين بلغوا الخامسة والستّين من عمرهم، وما فوق، ولأولئك الّذين يعانون ضعفًا في جهاز المناعة. ولا يعمل اللّقاحان بالطّريقة عينها تمامًا، لذا لا يمكن تعميم النّتائج على فئةٍ من الأشخاص، أو على الأخرى تلقائيًّا، على الرغم من أنّ الآليّات قد تتقاطع.

وبعيداً عن الحزام الناريّ، تفتح هذه الأبحاث آفاقًا أوسع. فقد يحمل اللّقاح الّذي اعتُبر لفترة طويلة وسيلة حماية محدّدة، تستهدف مرضًا معيّنًا، تأثيرات أكثر شموليّة في الجسم. ومن خلال تعديل المناعة، قد يؤثّر في العمليّات المرتبطة بالشّيخوخة. ويشكّل هذا مجالًا بحثيًّا ناشئًا، على الحدود الفاصلة بين المناعة، وعلم الشّيخوخة.

مع ذلك، سيكون من غير الحكيم استخلاص استنتاجات سريعة. فلا يوجد اليوم أي لقاح معترف به كأداة مضادّة للشّيخوخة. ويدعو الباحثون أنفسهم إلى ضرورة إجراء دراسات طويلة المدى، قادرة على عزل أثر اللّقاح بدقّة أكبر. وسيتطلّب الأمر تأكيد هذه النّتائج، على صعيد مجموعات سكانيّة أخرى، ومع قياسات متكرّرة.

أمّا في الوقت الرّاهن، تبقى الرّسالة الأمتن بسيطة: يحمي لقاح الحزام الناريّ من مرض مؤلم، وأحيانًا معيق للحياة. وإذا كان مُفيدًا للالتهاب، بشكل غير مباشر، أو لصحّة الدّماغ، فهذا مكسب إضافيّ. لكنّ العلم يتقدّم على مراحل، وبين فرضيّة واعدة ويقين سريريّ، يبقى الطّريق طويلًا ومتطلّبًا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us