إيران والولايات المتّحدة في جنيف: فرصة جديدة وسط توتّر متصاعد

كتب Moncef Ait-Kaci لـ”Ici Beyrouth“:
بعد مشاركتهما في جولة أولى من المفاوضات عُقدت في عمان، في السّادس من شباط، التقى الأميركيّون والإيرانيّون مجددًّا هذا الثلاثاء في جنيف في جولة ثانية من المحادثات غير المباشرة، تناولت الملفّ النوويّ. وتتحدّث طهران عن “مبادئ توجيهيّة” مشتركة، وإمكان إحراز تقدّم نحو صياغة نصّ اتّفاق. غير أنّ الخلافات تبقى قائمة، لا سيّما حول مسألة الصّواريخ الباليستيّة، في وقت يتصاعد فيه الضّغط العسكريّ في الخليج. وفي إيران، يتابع السكّان هذه المباحثات بخيبة الأمل.
وكانت الجولة الأولى قد انعقدت في السّادس من شباط في مسقط بوساطة عمانية، وشكّلت استئنافًا للتّواصل بين واشنطن وطهران، عقب الضّربات الأميركيّة في حزيران 2025 على مواقع نوويّة إيرانيّة، في سياق حرب الاثنيْ عشر يومًا الّتي أشعلتها إسرائيل.
واجتمع الثلاثاء الوفدان في جنيف، في مقرّ إقامة سفير عمان. وظلّت المحادثات غير مباشرة، مع تداول معلومات محدودة بشأنها. وأكّد وزير الخارجيّة الإيرانيّ، عبّاس عراقجي، التوصّل إلى “اتّفاق واسع” حول مجموعة من المبادئ يُفترض أن تشكّل أساس نصّ مستقبليّ. ووصف هذه الجولة بالبنّاءة أكثر من جولة عمان، وأقرّ باستمرار وجود فجوات كبيرة، وبأنّ التّسوية ستتطلّب وقتًا.
ومن المنتظر أن يعمل الطّرفان على إعداد مسودّات نصوص قبل تحديد موعد جولة ثالثة. كما أشار عراقجي إلى وجود “فرصة جديدة” للتوصّل إلى تسوية دبلوماسيّة دائمة.
ضغط عسكريّ واستعراض للقّوة
ما زال المناخ الاستراتيجيّ متوتّرًا رغم استمرار القناة الدبلوماسيّة. وتبقى حاملة الطّائرات الأميركيّة “أبراهام لينكولن” متمركزة في المنطقة، فيما نُشرت مجموعة بحريّة جويّة ثانية في خلال الأيّام الأخيرة. ووفق بيانات تتبّع جويّ من مصادر مفتوحة، ومسؤول أميركيّ، تمّ إرسال أكثر من 50 مقاتلة من طراز F35 وF22 وF16 إلى المنطقة في الأربع والعشرين ساعة الماضية. كما تتّجه حاملة الطّائرات “جيرالد آر. فورد” نحو المنطقة، وقد يُستدعى “جورج بوش” في خلال الأسابيع المقبلة.
ربّما تتغيّر الاستراتيجيّة الأميركيّة من يوم لآخر. ويعتبر بعض الخبراء الّذين يتابعون الملفّ عن كثب أنّ واشنطن تتحرّك بلا رؤية واضحة، في حين يشير آخرون إلى اعتماد نهج متعدّد الأبعاد يجمع بين التّفاوض، والرّدع البحريّ، والحفاظ على تهديد صريح بتوجيه ضربات في حال فشل المفاوضات.
وفي طهران، يبقى الخطاب صارمًا؛ فقد صرّح المرشد الأعلى علي خامنئي هذا الثلاثاء بأنّ الولايات المتّحدة لم تنجح في إضعاف الجمهوريّة الإسلاميّة طوال 47 عامًا، ولن تنجح في ذلك في المستقبل. ولوّح بضرب أهداف أميركيّة في المنطقة، إذا وقع أي اعتداء، مؤكّدًا قدرة إيران على إغراق حاملة طائرات.
وأجرى الحرس الثوريّ الايرانيّ مناورات في مضيق هرمز، بثّتها وسائل الإعلام الرسميّة. وأوضح مسؤول بحريّ إنّ إيران قادرة على إغلاق هذا الممرّ الاستراتيجيّ، الّذي يجتازه نحو 20% من النّفط العالميّ. ورغم هذا الخطاب التصعيديّ، يشير عدد من المحلّلين إلى سعي طهران إللى تجنّب تكرار ضربات أميركيّة تشبه ضربات حزيران 2025.
ماذا يُناقش فعليًّا
وفق مسؤولين إيرانيّين، تتركّز المحادثات بشكل رئيسيّ على البرنامج النوويّ، ومستوى تخصيب اليورانيوم، ويبدو أنّ طهران مستعدّة للنّظر في بعض التّخفيفات. وفي الوقت عينه، قدّمت إيران عروضًا تتضمّن عقود لشركات أميركيّة في قطاعات النّفط والغاز والتّعدين، إلى جانب صفقات محتملة لشراء طائرات بوينغ، كوسيلة لتقديم حوافز اقتصاديّة مباشرة لواشنطن.
في المقابل، لا تطالب إيران برفع العقوبات بشكل كامل، بل بالإفراج عن أموال إيرانيّة مجمَّدة في الخارج، بما في ذلك نحو 6 مليارات دولار محتجزة في قطر، وأصول أخرى في دول متعدّدة. مع ذلك، ترفض إيران إدراج برنامج الصّواريخ الباليستيّة، وعلاقاتها مع حماس وحزب الله والحوثيّين، ضمن المفاوضات. وتعتبر الولايات المتّحدة وإسرائيل هذه الملفّات تهديدًا مباشرًا، بينما تعتبرها طهران شأنًا سياديًّا، وترفض أي تدخّل خارجيّ فيها.
دور الوكالة الدوليّة للطّاقة الذريّة الخفيّ
على هامش المفاوضات، التقى عبّاس عراقجي في جنيف بمدير عام الوكالة الدوليّة للطّاقة الذريّة، رافائيل غروسي، الّذي أجرى بدوره محادثات مع الوفد الأميركيّ. وقد توقّفت مهمّة الرّقابة التّابعة للوكالة في إيران منذ أشهر، ولم تُكشف تفاصيل حول محتوى اللّقاءات سوى وصفها بأنّها “مثمرة جدًّا”. ويشير الكثير من المراقبين إلى أنّه، وفي حال التوصّل إلى اتّفاق، ستستعيد الوكالة دورًا مركزيًّا في عمليّات التحقّق والمراقبة.
ملفّ الصّواريخ البالستيّة بالأرقام
قبل حرب حزيران 2025، قدّر الخبراء امتلاك إيران نحو 3,000 صاروخ باليستيّ جاهز للعمل، دمّرت الضّربات الأميركيّة أكثر من 1,500 منها. ووفق بعض المتخصّصين، أعيد بناء نحو 700 صاروخ في خلال أشهر قليلة، مع هدف نهائيّ بالتوصّل إلى 5,000 وحدة. وتشكّل هذه القدرات أهميّة استراتيجيّة كبرى لكلّ من إسرائيل، والولايات المتّحدة، نظرًا إلى قدرتها على بلوغ أهداف بعيدة.
نظرة الشّعب الإيرانيّ
على أرض الواقع، يتابع المجتمع الإيرانيّ هذه المناقشات عن بعد. وأوضحت الصحافيّة والمتخصّصة في الشّأن الإيرانيّ، مريم بيرزاداه، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth: “يشعر الإيرانيّون بحزن ويأس لا مثيل لهما. فبعد أن راودهم الأمل بتغيّر الأمور، جاءت المجازر لتجعلهم يدركون أنّهم يواجهون بمفردهم نظامًا لا يتوانى عن ارتكاب أي شيء للبقاء في السّلطة”.
وأشارت إلى تدهور الحياة اليوميّة: “أصبحت حياتهم أشبه بما يحدث في لبنان، مع انقطاع المياه والكهرباء. لم يعتادوا ذلك، لكنّه أصبح واقعًا يوميًّا. كما أنّ الدّراسة عن بعد تجعل الامتحانات أصعب”.
واستغربت بيرزاداه الانفجارات شبه المتزامنة الّتي وقعت في مدن مختلفة نهاية كانون الثّاني: “ما حدث غريب جدًّا”، مشيرة إلى حادثة بندر عبّاس، الميناء الاستراتيجيّ وبوّابة نفط إيران ومضيق هرمز. وأضافت: “رأينا صحافيّة في بثّ مباشر أمام المبنى، ورجل بزيّ عسكريّ يخرج على نقّالة”.
وترجّح بيرزاداه، في إجابة على سؤال طرحناه عليها، احتماليْن اثنيْن لتفسير هذه الأحداث: إمّا إشارة لتذكير الجميع بأنّ مواجهة عسكريّة تبقى واردة، أو ديناميّة داخليّة في بلد “ما زال الغضب فيه عارمًا، حتّى بعد انتهاء التّظاهرات”، حيث يمكن أن تزيد الهجمات على مقرّات الحرس الثوريّ من رغبة بعض الجهات في الردّ. وختمت بالقول: “لن نعرف حقيقة ما جرى، أو ربّما سنعرفها في وقت لاحق”.
ولا يقتصر هذا الغموض على الانفجارات فحسب، بل يشمل أيضًا المباحثات الجارية. ففي جنيف، وتحت وساطة عمانية، يواصل المبعوثان الأميركيّان ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، المفاوضات مع الوفد الإيرانيّ. ولم تتسرّب سوى معطيات قليلة، باستثناء الإشارة إلى الاستمرار في العمل على صياغة نصّ ما. وتبقى القناة الدبلوماسيّة مفتوحة، إنّما لا مؤشّرات على أنّها ستفضي إلى أي اتّفاق.
مواضيع ذات صلة :
استعداد أميركي لضرب إيران… هل بدأ العد العكسي؟! | هل سيرفض العرب هزيمة إيران؟ | تل أبيب: ضغوط إيرانية لإشراك حزب الله في المواجهة المقبلة |




