لبنان وواقع الدولة المتداعية

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
لا تبشّر مراقبة المشهد السياسيّ اللبنانيّ بالخير، لا سيّما أنّنا نشهد، من جديد، فشل محاولة إعادة بناء هيبة الدولة بما يليق باسمها. يستمرّ مسلسل التحلّل، ولا شيء يشير إلى إمكان إعادة بنائها، وشيئًا فشيئًا نتأكّد من استحالة الأمر. تُعيدنا هذه المسألة إلى سؤال جوهريّ أكبر يتعلّق بصلاحيّة الدولة اللبنانيّة، وبالعقد الوطنيّ، وبخيارات الديمقراطيّة التعدديّة، وبالدولة القانونيّة. في ظلّ كلّ المعطيات، تبدو الأمور متّجهة نحو انهيار على مستوى الظّروف الّتي جعلت الدولة الوطنيّة ممكنة، وخيار الدولة القانونيّة قائمًا.
البيئة الإقليميّة بعيدة عن تهيئة أيّ فرصة تخدم سيناريوهات مماثلة. فالسّياسات التدخّليّة تُعيد الاستثمار في المشهد السياسيّ المحلّي، وتعزّز موطئ قدمها عبر إعادة تثبيت سياسات القوّة في قلب الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وفي الواقع، إنّ السّبيل إلى إعادة الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى الاستقلال الأخلاقيّ الضروريّ لاستعادة التّوازنات المطلوبة، وتوجيه البلاد نحو إصلاحات حقيقيّة، مجهول، ويشير كلّ ما يجري في الوقت الرّاهن إلى العكس.
لا يشكّل فشل مشاريع إعادة سيادة لبنان، وإصلاح السّياسات العامّة، وإعادة تمركز الرّواية الوطنيّة اللبنانيّة في صلب النّقاش الحاليّ، صدفة. وليست مسألة الوجوديّات السياسيّة والعسكريّة خارج الحدود، واحتكار العنف، مسألةً خلافيّةً فحسب، لكنّها تصطدم بالعراقيل النّاتجة عن المطالب الإيديولوجيّة، والمصالح الاستراتيجيّة، والسّياسات التقويضيّة المطبّقة على المستوى الإقليميّ. ولم تعد تشكّل الانتمائيّة الوطنيّة اللبنانيّة، حتّى كخيار افتراضيّ سرديّ أو دستوريّ، منطلقًا يمكن من خلاله تصوّر سيناريوهات إعادة بناء مجال الدولة المؤسّسيّ.
أعاد التّناوب المؤسّساتيّ العام الماضي، والانتخابات الرئاسيّة، وتشكيل حكومة جديدة، إنتاج مغالطات دولة القانون بحدّ ذاتها؛ فهي الّتي فُرِّغت من مضمونها، واستغلّها الانتهازيّون المدفوعون إلى المشهد السياسيّ. وما من قناعة أخرى، في الواقع، سوى استغلال الانتحال القانونيّ الّذي أضحى قاعدةً ثابتةً في الحياة السياسيّة.
لم يُحلّ أيّ ملفّ ساخن على مستوى الحياة السياسيّة اللبنانيّة بشكل حاسم في هذا الفصل الوزاريّ. وتشمل المواضيع المطروحة تماسك الحياة المؤسّساتيّة، وتنظيم العلاقات بين السّلطات الثّلاث، وسيطرة دولة القانون على الفضاء السياسيّ، وما يترتّب عليها من تحدّيات جمّة. كما يرتبط النّقاش بإعادة تأطير اللّعبة السياسيّة انطلاقًا من رواية وطنيّة ومدنيّة جامعة.
نحن أمام فشل جسيم، وقبل كلّ شيء أمام شعور بالعجز تجاه ديناميّة تفلت من أيّ رقابة شعبيّة، في ظلّ استعادة التّحصينات الأوليغارشيّة للسيطرة على المشهد. أمّا الانتخابات البرلمانيّة المحتملة، فحجزتها فعلًا الطّبقة السياسيّة، ومن جديد تتحوّل اللّعبة المؤسّساتيّة كلّها إلى مسرح للظّلال تُمارَس فيه صراعات النّفوذ.
أمّا السّلطة القضائيّة، فتبقى تحت رحمة الأجهزة السياسيّة الّتي تتحكّم بسير العدالة، على مستوى تعيين القضاة، وتوزيع العمل القضائيّ، وأدوات التّنفيذ (Servilis iustitia، والعدالة الخاضعة)، عبر سياسة الهيمنة الشيعيّة الّتي دمّرت نزاهة العمل القضائيّ لصالح استراتيجيّة تقويض مُعدّة ومنفّذة بعناية.
وتبقى جميع الملفّات المتعلّقة بالاغتيالات السياسيّة الّتي استهدفت شخصيّات المعارضة، والمحاكمات الّتي حوّلت القضاء إلى أداة انتقاميّة ضدّ المعارضين، وعرقلة عمل القضاء بعد انفجار مرفأ بيروت الإرهابيّ (Actionem denegare)، معلّقة. وينطبق هذا أيضًا على تواطؤ القضاء المثبت في الجرائم الماليّة المرتبطة بالدَّين المشبوه الّذي اقترضته الدولة اللبنانيّة. فالقضاء المؤجَّل، باختصار، هو القضاء المُنكَر: Justitia dilata وJustitia denegata، بحسب القدّيس أوغسطين.
تلخّص هذه الوقائع بعض فصول جريمة الدولة الّتي غطّت عمدًا استراتيجيّة التّقويض في مكوّناتها الإرهابيّة، والجنائيّة، وغير الدستوريّة. وعلى عكس التوقّعات، انتهى الأمر بالحكومة، الّتي كان من المفترض أن تضع حدًّا للسّياسة الانقلابيّة المعلنة، إلى التكيّف مع السّياسة الجارية، والاستمرار في فرض القيود على جميع مستويات القرار العام. وقد أدّى التحكّم في الماليّة العامّة، والسّلطة القضائيّة، والجهاز الأمنيّ إلى معالجة الإخفاقات الّتي نتجت عن إضعاف حزب الله.
ولا تشكّل الحكومة القائمة، في جوهرها، سوى تجمّع أطراف وأفراد بأجندات متباينة، لا يجمعها أيّ رابط، ما يفسّر طبيعة خطّتها المتردّدة وتناقض السّياسات المعتمدة.
يفضح فشل تنفيذ قرارات هدنة الرّابع عشر من تشرين الثّاني 2024، وإعادة بناء حزب الله، واستمرار الاقتصاد الموازي وشبكات الجريمة المنظّمة، وعدم تطبيق خطّة نزع السّلاح بشكل منهجيّ ووفق جدول زمنيّ محدّد، حجم مآزق الدولة الضّعيفة الّتي تفتقر إلى أيّ صفة رسميّة، وانسداداتها. كما تكشف مقاربة الأزمة الماليّة عن تواطؤات وقيود، إضافةً إلى تجاهل واضح لجهة إيجاد حلّ عادل وملائم للأزمة. لقد دمّرت هذه الأزمة التّوازنات النظاميّة في مجتمع، وفي دولة خاضعة لتقسيم النّفوذ بين الأوليغارشيّات، وللسّياسات الهيمنيّة الشيعيّة وأذرعها.
تعكس السّياسة الضريبيّة الّتي صدرت مؤخّرًا استهتارًا بالسّياسات العامّة. فكيف يمكن اعتماد نظام ضريبيّ في غياب إصلاحات حقيقيّة للسّياسات العامّة، وتحديد أسس الضرائب، ومعالجة التفاوتات في التّحصيل وإعادة التّوزيع، وتوضيح توزيع العبء الضريبيّ؟
تلخّص مراجعة فصول متعدّدة من الحياة العامّة حجم التّناقضات في الدولة اللبنانيّة، غير أنّها تكشف، في المقام الأوّل، استحالة إصلاحها انطلاقًا من المبادئ المتّفق عليها حتّى الآن. نحن لا نتعامل مع إخفاقاتٍ ظرفيّةٍ، بل مع انهيار العقد الاجتماعيّ المؤسِّس، وغياب سرديّة مشتركة، ورؤية متباينة للنّظام الإقليميّ. لا تشكّل سياسة الهيمنة الشيعيّة صدفة، بل هي تعبير عن استراتيجيّة تقويض مقصودة وعلنيّة. وليس الطعن في شرعيّة الدولة اللبنانيّة بجديد، بل يمتدّ عبر تاريخ لبنان الكبير بأسره. وستؤدّي التحوّلات في الجغرافيا الاستراتيجيّة الإقليميّة حتمًا إلى ظهور توازنات قوّة جديدة، حيث تصبح إعادة تكوين نظام سياسيّ جديد ضمن جدول الأعمال. لذلك، يتعيّن التخلّي نهائيًّا عن الأوهام الّتي طال أمدها وأدّت إلى تبعات باهظة الثّمن.




