علي لاريجاني… رجل الظلّ الّذي عهد إليه خامنئي بإدارة إيران

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
في أروقة السّلطة المغلقة في إيران، فرض رجل نفسه بسريّة تامّة، إنّما بحزم، كمحور الجاذبيّة الفعليّ في الجمهوريّة الإسلاميّة. يبلغ المسؤول المخضرم علي لاريجاني السّابعة والستّين من عمره، ويقود منذ أوائل كانون الثّاني إيران المهدّدة بالحرب، إنّما ليس كرئيس، ولا كمرشد أعلى.
بدأ كل شيء في الأسابيع الأولى من العام، بينما كانت موجة من الاحتجاجات الوطنيّة تهزّ إيران، وتهديدات بضربات أميركيّة على المنطقة تلوح في الأفق. أوكل حينئذٍ آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى المسنّ، والمدرك لوضعه الهشّ، إلى أحد ضبّاطه الموثوقين قيادة البلاد في هذه المرحلة الحرجة. ومنذ ذلك الحين، اضطرّ الرّئيس المنتخب رسميًّا، مسعود بيزشكيان، وهو جرّاح القلب الّذي اعتنق السّياسة، إلى التنحّي. وقد أقرّ هذا الرّجل، الّذي يُعرّف عن نفسه بأنّه “طبيب، لا سياسيّ”، علنًا، بضرورة الرّجوع إلى لاريجاني للتحرّك في أي ملفّ.
ابن النّخبة تدرّب في خنادق السّلطة
لم يخرج لاريجاني من فراغ. فهو ينتمي إلى أسرة من النّخبة السياسيّة والدينيّة في إيران، من الميدان الّذي تنبثق منه الشخصيّات المُشكّلة للجمهوريّة الإسلاميّة بشكل دائم. وقد خدم كقائد ضمن حرّاس الثّورة، الجسم شبه العسكريّ الذي يُعتبر عمود النّظام الفقريّ، ما منحه شرعيّةً نادرةً، إذ يجمع بين فهم آليّات السّلطة السياسيّة، ومنطق القوّات المسلّحة.
وترأّس البرلمان على مدى اثني عشر عامًا، وهي مدّة استثنائيّة في نظامٍ تُناقش فيه التّوازنات باستمرار. وفي 2021، كلّفه خامنئي بمهمّة ذات بعد استراتيجيّ واسع: التّفاوض مع بكين على اتّفاق شامل لمدّة خمس وعشرين سنة، وهي شراكة بمليارات الدّولارات تهدف إلى إدماج إيران ضمن المدار الصينيّ. وكان اختيار لاريجاني لهذه المهمّة الدّبلوماسيّة البارزة دليلًا واضحًا على الثّقة المطلقة الّتي يمنحها له المرشد الأعلى.
الرّجل المنقذ في أزمة وجوديّة
يتقلّد لاريجاني اليوم مسؤوليّات تحدّد فعليًّا معالم السّلطة في إيران. فبصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القوميّ، يُشرف، في الوقت عينه، على قمع التّظاهرات الداخليّة، المُنفَّذة بقوّة قاتلة، ويُدير المفاوضات النوويّة مع واشنطن، ويُنسّق العلاقات مع موسكو والدّوحة ومسقط، ويُخطّط للعمليّات العسكريّة في حال شنّت الولايات المتّحدة هجومًا. ويُعتبر أبرز الأسماء القادرة على “إدارة البلاد” إذا ما تعرّض خامنئي وكبار المسؤولين للخطر، أو الإقصاء.
يُلخّص ناصر إمامي، المحلّل المحافظ المقرّب من الحكومة الإيرانيّة، كما نقلت عنه صحيفة “نيويورك تايمز”، هذه الثّقة بعبارات صريحة: “يثق المرشد الأعلى تمامًا بلاريجاني. ويعتقد أنّ لاريجاني هو الرّجل المناسب لهذه المرحلة الحسّاسة بفضل سجلّه السياسيّ، وحنكته، ومعرفته”.
وفي زيارة إلى الدّوحة هذا الشهر، منح لاريجاني مقابلة لقناة “الجزيرة”، جسّد فيها موقفه المتوازن الصّارم الّذي يميّز أسلوبه: “نحن لا نبحث عن الحرب، ولن نبدأ بها. لكنّنا سوف نردّ إذا فُرضت علينا”.
حضور إعلاميّ محسوب
ارتفعت وتيرة ظهور لاريجاني الشّهر الماضي بشكل كبير، بينما توارى الرّئيس مسعود بيزشكيان تدريجيًّا عن الأنظار. فقد سافر لاريجاني إلى موسكو للقاء فلاديمير بوتين، وتابع اجتماعات مع قادة الشّرق الأوسط، والمفاوضين النوويّين، وقدّم مقابلات تلفزيونيّة طويلة لمؤسّسات إعلاميّة إيرانيّة وأجنبيّة، مُتجاوزًا بذلك الرّئيس.
وينشر على وسائل التّواصل الاجتماعيّ صورًا له مع الإيرانيّين العاديّين، وزيارات لأماكن دينيّة مقدّسة، ولحظات على متن الطّائرات، ما يعكس صورة “رجل الشّعب” في مقابل غموض الشخصيّات الأمنيّة الإيرانيّة التقليديّ.
حدود سلطة بلا لقب رسميّ
مع ذلك، ليس لاريجاني فوق المساءلة، ولا بلا حدود. فهو لا يستطيع خلافة خامنئي، إذ يتطلّب هذا المنصب من شاغله أن يكون من كبار رجال الدّين الشّيعة، وهي صفة لا يتمتّع بها. كما أنّ سجلّه، لا سيّما دوره في قمع الاحتجاجات الّتي أودت بحياة ما لا يقلّ عن سبعة آلاف متظاهر، بحسب منظّمات حقوق الإنسان، يجعله غير محبوب، بشكل كبير، لدى شريحة واسعة من الإيرانيّين.
إنّما لاريجاني هو من اختاره خامنئي لتولّي دفّة القيادة في إيران 2026، في ظلّ تهديد الحرب وأزمة الخلافة. ليس لأنّه الأكثر شرعيّة في نظر الشّعب، بل لأنّه جدير بالثّقة ويمكن الاعتماد عليه، في نظر النّظام.
مواضيع ذات صلة :
رجي: لبنان يخشى من ضربات إسرائيلية على بنيته التحتية | تصعيد أميركي ـ إيراني وترقّب لنتائج مفاوضات جنيف | سقوط قتلى إثر تحطم مروحية عسكرية وسط إيران |




