كمّ تكبّد الغرب في الحرب الروسيّة الأوكرانيّة منذ 2022؟

ترجمة هنا لبنان 26 شباط, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

بعد مرور أربع سنوات على الغزو الروسيّ لأوكرانيا في الرّابع والعشرين من شباط 2022، تتواصل الحرب من دون أي أفق لتسوية سريعة. ومنذ ذلك الحين، خصّصت الولايات المتّحدة والدول الأوروبيّة مبالغ طائلة لدعم كييف، ما جعل الجبهة الأوكرانيّة السّاحة الرّئيسية للاستثمار العسكريّ، والماليّ والإنسانيّ. وخلف جهد العواصم الغربيّة على الصّعيدَيْن السياسيّ والاستراتيجيّ، يبرز سؤال جوهريّ: ما هي كلفة الحرب الأوكرانيّة الحقيقيّة على التّمويل الغربيّ، وأين أُنفقت هذه الأموال؟

مئات المليارات منذ 2022
وفق أحدث بيانات “مؤشّر دعم أوكرانيا”، الصّادر عن “معهد كييل”، المرجع العالميّ في تتبّع المُساعدات المقدّمة لأوكرانيا، قدّم حلفاء كييف الغربيّون، وشركاؤها الدوليّون أكثر من 309 مليارات يورو، أي نحو 360 مليار دولار، بين كانون الثّاني 2022 ومنتصف عام 2025. وتشمل هذه الحزمة الدّعم العسكريّ، والماليّ والإنسانيّ.

بشكلٍ مفصّلٍ، خُصّص 149 مليار يورو للدّعم العسكريّ، و139 مليار يورو لدعم الدولة الأوكرانيّة الماليّ المباشر، و21 مليار يورو للمساعدات الإنسانيّة. وتضع هذه الأرقام حرب أوكرانيا ضمن أكثر النّزاعات كلفةً بالنسبة إلى القوى الغربيّة منذ الحرب العالميّة الثّانية.

الولايات المتّحدة: المموّل الفرديّ الأوّل
منذ بداية الصّراع، تصدّرت واشنطن قائمة مموّلي أوكرانيا الرئيسيّين. وعلى الرغم من أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب ذكر مؤخّرًا أنّ المساعدات الأميركيّة تتراوح ما بين 300 و350 مليار دولار منذ 2022، فقد طعنت مؤسّسات وهيئات متابعة للميزانيّة في هذه الأرقام بشكل علنيّ، وأشارت إلى أنّ المبالغ الّتي أقرّها الكونغرس الأميركيّ، وجرى صرفها فعلًا، تبقى أقلّ بكثير من هذه التّقديرات.
وبين كانون الثّاني 2022 وتشرين الأوّل 2025، خصّصت الولايات المتّحدة نحو 114.6 مليار يورو، أي ما يقارب 136 مليار دولار، لدعم كييف، منها 64.6 مليار يورو من الدّعم العسكريّ الّذي يشمل الأسلحة، والذّخائر، وأنظمة الدّفاع، والتّدريب، و46.6 مليار يورو من الدّعم الماليّ المباشر لتسيير عمل الدولة الأوكرانيّة، إضافة إلى 3.4 مليارات يورو من المساعدات الإنسانيّة.

أوروبا تتصدّر قائمة المموّلين
على الرغم من تفوّق الولايات المتّحدة على مستوى الدول الفرديّة، تتقدّم دول أوروبا مجتمعة عليها، من حيث حجم المساعدات الإجماليّ. ووفق معهد كييل، خصّصت الدول الأوروبيّة، ومؤسّسات الاتّحاد الأوروبيّ نحو 167.4 مليار يورو بين 2022 و2025، أي أكثر من الولايات المتّحدة، وتُشكّل مؤسّسات الاتّحاد الأوروبيّ وحدها أكثر من 63 مليار يورو، لتحتلّ المرتبة الثّانية بعد واشنطن.ويُضاف إلى هذه المبالغ 90 مليار دولار، خصّصها البرلمان الأوروبيّ لدعم كييف في العامَيْن المقبلَيْن.
وتبرز ألمانيا، والمملكة المتّحدة، والدول الاسكندنافيّة بين أكبر المموّلين الأوروبيّين، حيث خصّصت برلين أكثر من 21 مليار يورو، ولندن نحو 18.6 مليار يورو، فيما ارتفعت مساهمات الدول الاسكندنافيّة بشكل ملحوظ منذ 2024.
وعمومًا، ركّزت أوروبا على المساعدات الماليّة والاقتصاديّة الكليّة، بما في ذلك دعم الميزانيّة بشكل مباشر، والقروض طويلة الأجل، والضّمانات الماليّة، وإعادة إعمار البنى التحتيّة؛ وتشكّل القروض، أو آليّات الدّعم الماليّ نحو 90% من هذه المساعدات، في حين تمثّل المنح الأميركيّة نسبة أكبر.

حرب مموّلة على ثلاث جبهات
يتوزّع التمويل الغربيّ الموجّه لأوكرانيا على ثلاثة محاور رئيسية:
– المحور الأوّل عسكريّ، ويشمل تسليم الأسلحة، وأنظمة الدّفاع الجويّ، والذّخائر، والمركبات المدرّعة، وطّائرات من دون طيّار، إلى جانب التّدريب والاستخبارات، ويشكّل نحو نصف حجم المساعدات الإجماليّة.

– أمّا المحور الثّاني فهو الماليّ الّذي يشمل دعم ميزانيّة أوكرانيا بشكل مباشر، للحفاظ على عمل الدولة، واستقرار العملة، وتفادي الانهيار الاقتصاديّ. ووفق تقديرات صندوق النّقد الدوليّ، تمكّنت كييف من تجنّب عجز هائل في الميزانيّة بفضل هذه التّحويلات، إذ تُستخدم هذه الأموال لدفع الرّواتب الحكوميّة، والمعاشات التقاعديّة، وتمويل البنية التحتيّة للطّاقة، والخدمات الأساسيّة.

– المحور الثّالث هو الإنسانيّ، ويشمل المساعدات الطبيّة، واستقبال اللّاجئين، وتأمين الغذاء، والطّاقة، وإعادة بناء البنى التحتيّة المدنيّة المتضرّرة. وعلى الرغم من أنّ حجم هذه المساعدات أقلّ أهميّة من غيرها، إلّا أنّها أساسيّة بالنسبة إلى السّكان، خاصّةً مع تقديرات البنك الدوليّ الّتي تشير إلى أنّ الأضرار الماديّة تتجاوز 400 مليار دولار.

أوروبا تتولّى الجزء الماليّ
مع مرور الوقت، تطوّر توازن الدّعم الغربيّ الماليّ. وعلى الرغم من استمرار تصدّر واشنطن لقائمة مورّدي الأسلحة، تتولّى اليوم أوروبا الدّعم الماليّ المباشر. ويقدّر صندوق النّقد الدوليّ أنّ احتياجات أوكرانيا للتّمويل في عامَيْ 2026 و2027 ستتجاوز 130 مليار يورو.

وفي هذا الإطار، وافق البرلمان الأوروبيّ في 11 شباط على آليّة تمويل ضخمة لدعم كييف على مدى العامَيْن المقبلَيْن. وتنصّ هذه الآليّة على تمويل إجماليّ قدره 90 مليار يورو لفترة 2026-2027، يُخصّص نحو 60 مليار لتعزيز القدرات العسكريّة وشراء معدّات الدّفاع، فيما يُخصّص مبلغ 30 مليار لدعم ميزانيّة الدولة الأوكرانيّة، ونفقاتها الأساسيّة العامة. اعتُمد هذا التّمويل بأغلبيّة 458 صوتًا، مقابل 140 صوتًا، وامتناع 44 نائبًا عن التّصويت، وسيُجمع من الأسواق الماليّة عبر اقتراض مشترك باسم الاتّحاد الأوروبيّ، على أن تتحمّل الميزانيّة الأوروبيّة فوائد الدّين. أمّا كييف، فتسدّد رأس المال بعد انتهاء النّزاع، خاصّةً إذا فُرضت تعويضات حرب على روسيا.

حرب بأعباء ماليّة شاملة
تكبّد الغرب على مدى أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا، بصورة إجماليّة، نحو 300 مليار يورو، معظمها أميركيّ وأوروبيّ، وهو جهد ماليّ هائل يفوق أصلًا كلفة الكثير من العمليّات العسكريّة الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

وبعيدًا عن الأرقام، تكشف هذه التّعبئة الماليّة السّتار عن واقع استراتيجيّ واضح: أصبحت أوكرانيا جبهة صراع غير مباشر رئيسية بين روسيا والغرب. وطالما استمرّ النّزاع، تبقى المسألة الأساسيّة بالنسبة إلى واشنطن والعواصم الأوروبيّة واحدة: إلى متى سيستمرّ تمويل حرب لا تزال نتيجتها غير محسومة؟!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us