المجلس الدستوريّ يُلغي قانون استقلال القضاء: العودة عن القرار والأبعاد الدستوريّة!

ترجمة هنا لبنان 27 شباط, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

أبطل المجلس الدستوريّ، الأربعاء الماضي، قانون استقلال القضاء، الّذي أقرّه البرلمان بعد سنوات من النّقاش، وقدّمه كإصلاح مفصليّ لإعادة الاعتبار إلى مصداقيّة السّلطة القضائيّة اللبنانيّة.

لا يتعلّق القرار بجدوى النّص السياسيّة، أو بأهدافه المعلنة، بل بخلل جوهريّ، تمثّل في عدم احترام متطلّب إجرائيّ، ذي طبيعة دستوريّة أساسيّة.

إبطال سببه عيب إجرائيّ

قضى المجلس الدستوريّ في قراره بأنّ القانون قد أُقرّ قبل استشارة مجلس القضاء الأعلى بشأن صيغة النصّ النهائيّة، بعد إدخال التّعديلات عليها في الجلسة النيابيّة.

بالتّالي، فحينما يتعلّق التّشريع بتنظيم السّلطة القضائيّة، لا تُعتبر استشارة مجلس القضاء الأعلى مجرّد إجراء شكليّ أو ثانويّ، بل تُشكّل، وفق تفسير المجلس، ضمانة إجرائيّة جوهريّة، ترمي إلى صون استقلال القضاء المكرّس في الدّستور. وبناء عليه، يعتبر المجلس الدستوريّ أنّ إغفال الاستشارة هذه، من شأنه أن يؤثّر حتّى في صلاحية القانون.

بعبارة أخرى، حتّى في غياب حكم صريح بعدم دستوريّة مضمون النصّ، تكفي الآليّة المعتمدة في أثناء إقراره، لإبطاله بشكل كامل.

وردًّا على من يعتبر أنّ قرار المجلس الدستوريّ مبالغ فيه، لأنّ التّعديلات الأخيرة، وحدها، لم تُعرض على مجلس القضاء الأعلى، أكّد خبير قانونيّ رفيع المستوى، تحدّث إلى موقع “Ici Beyrouth”، وطلب عدم الكشف عن هويّته، أنّ المسألة تدخل في إطار جدل تفسيريّ مشروع.

وشدّد الخبير على أنّ القانون المعمول به، لا سيّما المادّة الخامسة من قانون التّنظيم القضائيّ، لا ينصّ بوضوح قاطع على ضرورة إحالة كل نسخة معدّلة لإبداء الرّأي، خاصّةً إذا سبق أن قدّم مجلس القضاء الأعلى ملاحظاته الخطيّة في خلال المسار التشريعيّ. وذكّر بأنّ هذه الملاحظات غير مُلزمة، إذ جرى الأخذ ببعضها من دون غيرها، فيما يحتفظ البرلمان بكامل صلاحيّاته التشريعيّة. كما لفت إلى أنّ مجلس القضاء الأعلى يملك مشروعًا إصلاحيًّا مستقلًّا في مجال التّنظيم القضائيّ، بالتّوازي مع الملاحظات الّتي أبداها لجهة القانون المطعون فيه.

وحول ما يتعلّق بأساس الاستشارة القانونيّ، أشار إلى أحكام التّنظيم القضائيّ المنظّمة، وإلى المادة 20 من الدّستور، الّتي يُستند إليها عادةً لتبرير الضّمانات المؤسسيّة المرتبطة باستقلال السّلطة القضائيّة. واعتبر أنّ أي قاعدة آليّة، تُلزم بإعادة إحالة النصّ تلقائيًّا عند كل تعديل، غير موجودة، ويبقى التّفسير مرهونًا بمدى التّعديلات الّتي أُدخلت على المشروع.

إصلاح قضائيّ قيد التّحضير منذ سنوات

ليس قانون استقلال القضاء، المعروف رسميًّا باسم قانون التّنظيم القضائيّ، وليد اللّحظة، بل ثمرة مسار إصلاحيّ طويل بدأ منذ أعوام، في ظلّ مطالبة متكرّرة من شركاء لبنان الدوليّين، الّذين ربطوا جزءًا من دعمهم الماليّ بتنفيذ إصلاحات هيكليّة في مؤسّسات الدولة.

هدف النصّ بالدّرجة الأولى إلى إعادة هيكلة عمل السّلطة القضائيّة، وإعادة تحديد آليّات تعيين القضاة، وتقييمهم، ومساءلتهم تأديبيًّا، والحدّ من تأثير السّلطة التنفيذيّة في مسارهم المهنيّ، مع تعزيز استقلال السّلطة القضائيّة الإداريّ، والماليّ.

تنقّل المشروع بين اللّجان النيابيّة، وخضع لسلسلة من التّعديلات، والصّيغ المُنقّحة، قبل عرضه على الهيئة العامة، وإقراره، ثمّ إحالته للنّشر، وصدوره في الجريدة الرسميّة في كانون الثّاني 2026.

مع ذلك، خلص المجلس الدستوريّ، استنادًا إلى الأسباب الواردة في قراره، إلى أنّ الصّيغة النهائيّة المعدّلة قبل الإقرار، لم تُعرض على مجلس القضاء الأعلى لإبداء الرّأي، وهو ما اعتبره عنصرًا حاسمًا في تقييم دستوريّة الإجراءات المتّبعة.

الطّعون أمام المجلس الدستوريّ

بعد نشر القانون، تقدّم بعض النّواب بطعون أمام المجلس الدستوريّ.

استهدف الطّعن الأول مواد مُحدّدة اعتُبرت مخالفةً للدّستور، أو مشوبة بغموض قانونيّ، وطالب مَن قدّمه بإبطالها، أو بإرفاقها بتحفّظات تفسيريّة لتوضيح الصّياغات.

أمّا الطّعن الثّاني، فطلب إبطال القانون برمّته، مستندًا إلى مزاعم بمخالفات دستوريّة في إجراءات التّصويت، وانتهاك مبدأ فصل السّلطات، وخرق الضّمانات المتعلّقة باستقلال السّلطة القضائيّة.

وقد نظر المجلس في الطّعنيْن معًا، وخلص إلى إبطال القانون بكامله، مستندًا إلى عدم استيفاء شرط الاستشارة الأصوليّة لمجلس القضاء الأعلى بعد إدخال التّعديلات، معتبرًا ذلك خللًا جوهريًّا يمسّ بسلامة العمليّة التشريعيّة في أساسها.

هل يحتاج الإصلاح القضائيّ إلى إعادة إطلاق؟

أوضح الخبير قانوني أنّ قرار المجلس الدستوريّ يفرض، من النّاحية القانونيّة، العودة إلى الإطار القانونيّ السّابق، إذ يُعتبر القانون الملغى وكأنّه لم يصدر قطّ.

ولإحياء الإصلاح، سيكون على البرلمان استئناف المسار التشريعيّ، مع الالتزام التّام بالمتطلّبات الدستوريّة، لا سيّما تقديم أي نسخة معدّلة من النصّ إلى مجلس القضاء الأعلى لإبداء الرّأي قبل اعتمادها نهائيًّا.

وعلى الرغم من أنّ هذا القرار قد يؤخّر تنفيذ الإصلاح، يرى بعض القانونيّين أنّه يؤكّد أهميّة احترام الآليّات المؤسّسيّة في صياغة الإصلاحات المتعلّقة بالسّلطة القضائيّة.

تنصّ المادة 20 من الدّستور اللبنانيّ على أنّ “السّلطة القضائيّة تُمارس بواسطة المحاكم بجميع درجاتها واختصاصاتها” و”مستقلّة في ممارسة وظائفها”. ويترتّب على هذا المبدأ الفصل العضويّ للسّلطات، إذ لا يمكن للسّلطة التنفيذيّة، أو التشريعيّة التدخّل في القرارات القضائيّة، وضمانات القضاة في التّعيين، والتنقّل، والمُساءلة التأديبيّة، وفق آليّات تحدّ من أي تدخّل سياسيّ تعسفيّ، إضافةً إلى دور مجلس القضاء الأعلى المركزيّ في تنظيم السّلطات القضائيّة الداخليّ، والإشراف على ترقيات القضاة، والمسائل التأديبيّة الخاصّة بهم.

بعيدًا عن هذه القضيّة بالذّات، يُعيد هذا القرار إحياء نقاش أوسع حول مدى الالتزام بالمتطلّبات الإجرائيّة في الرّقابة على دستوريّة القوانين، ونطاق دور القاضي الدستوريّ في مواجهة المشرّع. فهي تؤكّد بقوّة على القيمة المُلزمة المتعلّقة بالضّمانات المؤسسيّة المرتبطة باستقلال القضاء، لكنّها في الوقت عينه تثير تساؤلات حول المستوى الّذي يكفي عنده أي تقصير إجرائيّ لإبطال نصّ قانونيّ كامل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us