لحظة فاصلة: هل يختار لبنان السّلام؟!

ترجمة هنا لبنان 5 آذار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marwan Al-Amine لـ”This is Beirut“:

لم تُفاجئنا عودة الحرب إلى لبنان، ولم تكن غير متوقّعة، بل على العكس، بدت حتميّةً بسبب تعنّت حزب الله وإنكاره من جهة، وتردّد الدولة اللبنانيّة ومسايرتها من جهة أخرى. وأتت هذه العودة كامتداد طبيعيّ لمسار التطوّرات السياسيّة والأمنيّة، منذ وقف إطلاق النّار الّذي أنهى حرب 2024 بين حزب الله وإسرائيل. إذ لطالما توافرت ظروف الحرب، ولم يشكّل اندلاعها سوى مسألة وقت.

يبرز في قلب الأزمة، رفض حزب الله تسليم أسلحته إلى الدولة اللبنانيّة، بشكلٍ مستمرٍّ، ما أبقى سيادة لبنان ناقصة، وجعل البلاد عرضةً لتجدّد الصّراع. يدلّ تعنّت الميليشيا على اعتبارها لبنان ساحةً لحسابات إيرانيّة أوسع، تُفعَّل كلّما تغيّرت التّوازنات الاقليميّة، أو تصاعدت التوتّرات.

من جهتهما، لم يرتقِ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الحكومة نواّف سلام إلى مستوى الحدث منذ تولّيهما المنصب، وفشلا في معالجة قضيّة الأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة بشكل حاسم. لم تُقدَّم أي خريطة طريق واضحة، أو جدول زمنيّ لاستعادة سيادة الدولة كاملة، وجرى التّعامل مع الملفّ بتردّد، وحذر سياسيّ.

تعكس الحملة الإسرائيليّة المُتجدّدة ضدّ حزب الله، جزئيًّا، فشل لبنان في فرض احتكار الدولة للأسلحة، كما تكشف عن عمق تورّط لبنان في الديناميّات الإقليميّة، لتبقى البلاد مرّةً أخرى رهينة الحسابات الاستراتيجيّة الإيرانيّة.

مع انطلاقة الهجوم العسكريّ ضدّ النّظام الإيرانيّ، يبدو أنّ المنطقة دخلت مرحلةً حاسمةً من العدّ التنازليّ، وتجاوز التّصعيد إيران، مع احتمال انتقاله إلى مناطق نفوذ طهران، وعلى رأسها لبنان. وسرعان ما توجّهت الأنظار إلى جنوب لبنان، حيث يترقّب المراقبون ردّ حزب الله، وما إذا كان سيفتح جبهةً جديدةً.

ولم يطُل الانتظار، فقد أطلق حزب الله صواريخ نحو شمال إسرائيل في الثّاني من آذار، في خطوةٍ وُصفت بأنّها تعبير عن التّضامن مع طهران، وردًّا على اغتيال المرشد الأعلى الإيرانيّ آية الله علي خامنئي. مع ذلك، لم يكن وقعها كبيرًا على إسرائيل، ولم تغيّر الأخيرة مسار حملتها العسكريّة ضدّ إيران.

لم تدلّ هذه الخطوة على مناورة استراتيجيّة مدروسة بقدر ما دلّت على تصرّف فوضويّ اندفاعيّ، عكس حجم الارتباك، والضّغط المتصاعد على مستوى دوائر صنع القرار في إيران، بعد اغتيال خامنئي والكثير من كبار رموز النّظام. وفي الوقت عينه، منح قرار حزب الله إسرائيل فرصة انتظرتها طويلًا، إذ شكّلت مهاجمته تل أبيب، ذريعةً لإطلاق عمليّة عسكريّة تحت عنوان الدّفاع عن النّفس.

بهذا المعنى، تجاوز هجوم حزب الله مجرّد عمليّة عسكريّة محدودة، ليصبح لحظةً محوريّةً تبرز العلاقة العضويّة بين التّنظيم وإيران. وتعزّز، في توقيت هذه الخطوة وسياقها، الانطباع بأنّ الدولة اللبنانيّة تفتقد إلى أي سلطة على قرارات الحرب والسّلم في البلاد.

تثير هذه الوقائع شكوكًا جديّةً حول السرديّة الرسميّة المطروحة من عون وسلام. فقد شدّد كلاهما على أنّ الدولة في صدد استعادة سيادتها في الجنوب، وللمرّة الأولى منذ اتفاقية القاهرة عام 1969. لكنّ فتح حزب الله جبهة لمساندة طهران، كشف أنّ السّلاح الخارج عن إطار الدولة هو الذي يحدّد مجريات الأحداث، وأنّ الادّعاءات باحتكار الدولة للقرار العسكريّ، لا تشكّل سوى خطاب شكليّ.

تحمل إعادة فتح الجبهة مع إسرائيل تداعيات تتجاوز ساحات القتال، وتهدّد ليس الجنوب اللبنانيّ فحسب، بل قد تمتدّ لتشمل البلاد ككلّ في حرب مفتوحة النّتائج وغير متوقّعة، بما في ذلك احتمال توسّع السّيطرة الاسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة، ربّما حتّى نهر الليطانيّ، ودمار واسع النّطاق. وسيدفع لبنان في نهاية المطاف، ثمنًا سياسيًّا باهظًا بسبب خيارات حزب الله المتهوّرة، وعجز السّلطات اللبنانيّة، وتخلّيها عن مسؤوليّاتها.

تختبر لحظات الأزمة شخصيّة القادة؛ فسواء يتحمّلون مسؤوليّاتهم بوضع مصالح شعبهم والدولة فوق كل اعتبار، أو يكشفون عن عجزهم عن تجاوز الحسابات الضيّقة، ويتخلّون بذلك عن لقب رجال الدولة. فالأزمات الكبرى لا تديرها التّصريحات، بل العمل الحاسم الّذي يحدّد مسارًا جديدًا.

من هذا المنظور، لا ينبغي أن تنتهيَ هذه الحرب بترتيباتٍ هشّةٍ، أو بهدنةٍ مؤقّتةٍ، بل يتعيّن أن تخلص إلى اتّفاق سلام مع إسرائيل، يُنقذ لبنان من أن يكون ساحة صراع بالوكالة، ويُعيد إليه مكانته كدولة ذات سيادة كاملة. وسيفتح مثل هذا الاتّفاق الباب أمام استقرار دائم، ويؤمّن حماية حقيقيّة للمواطنين اللبنانيّين، كما سيمهّد الطّريق لإعادة الإعمار، وينعش الاقتصاد، ويُعالج القضايا العالقة مثل انسحاب إسرائيل وعودة المهجّرين.

إذا كان عون جادًّا بشأن تحقيق هذه الأهداف، فسيحتاج إلى السّعي لإبرام اتّفاق سلام رسميّ بين لبنان وإسرائيل. فالرّئيس اللبنانيّ يقف أمام لحظة فاصلة في مسيرته السياسيّة: هل يمتلك صفات رجل الدولة القادر على اتّخاذ قرارات تاريخيّة، أم سيكتفي بدور وسيط النّفوذ بدل أن يتبوّأ موقع قائد قادر على إحداث تغيير؟

برهنت التّجارب عبر التّاريخ أنّ النّقاط المفصليّة الكبرى غالبًا ما تترافق مع وجود قادة يجرؤون على تغيير المعادلات، وتحويلها من المواجهة إلى السّلام، كما فعل أنور السّادات في 1979 حين غيّر مسار مصر والمنطقة بإبرام السّلام مع إسرائيل. والسّؤال المطروح اليوم: هل سيصبح عون مُعادل السّادات في لبنان، فيحوّل البلاد من صراع دائم إلى دولة مستقرّة، أم ستمرّ هذه اللّحظة، كما مرّ غيرها، من دون ظهور قائد قادر على تغيير مسار أمّة، أنهكتها الحروب؟.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us