الإخلاء المقرّر جنوب اللّيطاني: أبعاده وتحدّياته

ترجمة هنا لبنان 6 آذار, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

أصدر الجيش الإسرائيلي أمرًا بإخلاء منطقة جنوب اللّيطاني بالكامل، ما تسبّب يوم الأربعاء بمرحلة جديدة من التوتّر في لبنان. تثير هذه الإجراءات سلسلة من التّساؤلات: ما مساحة المنطقة المعنيّة الدّقيقة؟ وكم من القرى والسكّان تشمل؟ وهل السكّان فعلًا قادرون على المغادرة؟ وإلى أين يمكنهم التوجّه؟ وما تداعيات نزوح واسع النّطاق قد يطول، من النّاحية الاقتصاديّة والديموغرافيّة؟
للحصول على أجوبة، أجرى موقع Ici Beyrouth مقابلة مع الجنرال خليل الجميّل، القائد السّابق لقطاع جنوب اللّيطاني.

1100 كيلومتر مربّع يقطنه نصف مليون نسمة
يشمل جنوب اللّيطاني أربعة أقضية: قضاء واحد من محافظة الجنوب، وهو قضاء صيدا، وثلاثة أقضية من محافظة النبطيّة، وهي بنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيّا. تبلغ مساحة هذه الأقضية الإجماليّة، وفق الجميّل، حوالي 1100 كم²، وتضمّ 162 قرية بالإضافة إلى مدن كبيرة مثل بنت جبيل، وصيدا، ما يعني أنّ المنطقة لا تقتصر على القرى الريفيّة المعزولة، بل تشمل أيضًا مراكز حضريّة مهمّة.
ويشير الجميّل إلى أنّ عدد السكّان المعنيّين يبلغ قرابة 500000 نسمة، استنادًا إلى عدد النّاخبين المسجّلين في هذه الأقضية.
ويوضح في ما يتعلّق بالعمق الإقليمي، إنّ الحدّ الأدنى لامتداد المنطقة يبلغ نحو 5 كم من الحدود، بين ما يُعرف بخطّ الجليل، تحديدًا إبل القمح-الوزّاني، حتّى نهر الخردلي. أمّا الامتداد الأقصى، فيمكن أن يصل بحسب الجنرال إلى 30 كم في الأراضي اللبنانيّة، لا سيّما من مناطق مثل النّاقورة وصولًا إلى نقاط التقاء نهر اللّيطاني بالبحر. وتفسّر هذه التّفاوتات سبب تعرّض بعض القرى للضّربات بشكل مباشر، بينما تقع أخرى خلف الخطّ الأماميّ.

من يشمل الإخلاء؟
في ما يتعلّق بأوامر الإخلاء، يفرّق الجميّل بين ثلاثة مستويات، موضحًا إنّ السّلطات الإسرائيليّة طالبت بإخلاء نحو 30 قرية على الخطّ الأماميّ، فتمّ تفريغها بشكل كامل. ووفق تفسيرها العسكريّ، يُعتبر أي شخص يبقى فيها مقاتلًا تابعًا لحزب الله.
ويشير الجنرال إلى فئة ثانية تضمّ نحو 60 قرية، تقع على عمق كيلومتريْن إلى ثلاثة في داخل الأراضي، حيث بدأ نحو نصف السّكان بالمغادرة إلى وجهات مختلفة.
وبينما انتقل بعضهم إلى مناطق أخرى جنوب اللّيطاني، توجّه آخرون إلى شمالي النّهر، في محاولة للبقاء أقرب ما يمكن من قراهم.
من جهة أخرى، لجأت فئت ثالثة من النّازحين إلى قرى مختلطة، لا سيّما في منطقة حاصبيا الّتي يصفها الجميّل بأنّها تضمّ قرى بتركيبة مجتمعيّة متنوّعة، واستضافت هذه القرى يوم الأربعاء ما بين 15000 و18000 شخص، أي نحو نصف سكّان القرى الّتي غادرت الخطّ الثّاني.
أمّا بالنسبة إلى سكّان القرى الواقعة في الخطّ الثّالث، حتّى عمق اللّيطاني، فقد غادر منهم نحو 10% فحسب.
ولدى سؤاله عمّا إذا كان 50% من سكّان المنطقة الثّانية، و90% من سكّان المنطقة الثّالثة، سيُجبرون على الرّحيل، يوضح الجميّل إنّ الإسرائيليّين يفتقرون إلى وسيلة ماديّة تمكّنهم من إرغام جميع الأهالي على مغادرة قراهم بشكل فوريّ. ويرى أنّ رحيل السكّان يرتبط أساسًا بشدّة الضّربات، وبمدى إدراكهم للخطر، مؤكدًا إنّ الخيار غالبًا ما يكون ثنائيًّا ومؤلمًا: البقاء يعني التعرّض للقصف، والمغادرة تعني التخلّي عن المنزل، والأرض، والافتقار إلى ملاذ آمن.
وفي ما يتعلّق بالضّغط الممارس شمال اللّيطاني، يقدّم الجنرال الجميّل أرقامًا مهمّة، مذكّرًا بأنّ المنطقة تتكوّن من ثلاثة أقضية: يتبع اثنان منها محافظة الجنوب، أي صيدا-الزّهراني وجزّين، فيما يتبع قضاء النبطيّة الثّالث محافظة النبطيّة.
تبلغ مساحة هذه الأقضية الثّلاثة الإجماليّة نحو 825 كيلومترًا مربعًا، ويكاد يوازي عدد سكّانها عدد سكّان جنوب اللّيطاني المؤلّف من أربعة أقضية. ويعتبر أنّ هذه المناطق غير قادرة على استيعاب تدفّق واسع من النّازحين من دون مشقّة، وهو ما يفرض ضغطًا شديدًا على البنى التحتيّة العامة، وعلى الدولة.

التّداعيات الاقتصاديّة والبنيويّة والديموغرافيّة
يشدّد الجميّل على أنّ الوضع يتجاوز البعد العسكريّ بأشواط، مؤكّدًا إنّ نزوحًا واسعًا سيضاعف أعباء الدولة اللبنانيّة، لما يتطلّبه من تعبئة لمراكز الإيواء، والخدمات العامة، والبلديّات.
ويحذّر من التّداعيات الاقتصاديّة المرتبطة بهجر قرى جنوب اللّيطاني المؤقّت. إذ ستتوقّف الزّراعة، والمشاريع الصّغيرة، والأنشطة التجاريّة بشكل فوريّ، وقد تتضرّر البنى التحتيّة من طرق، وشبكات كهرباء ومياه، أو تُترك من دون صيانة في خلال فترة الإخلاء.
ويتطرّق الجميّل إلى احتمال تأثير ديموغرافيّ طويل الأمد إذا استمرّ النّزوح، مشيرًا إلى ظاهرة شبيهة بـ”التّحويل السكانيّ”، عندما لا يتمكّن الأهالي من العودة سريعًا إلى قراهم. ويعكس هذا قلقًا من حصول تغيير هيكليّ في التّوزيع السكانيّ في المنطقة.
وبحسب تحليله، ليست القضيّة عسكريّة فحسب، بل تتعلّق بالتّوازن الإقليمي في جنوب لبنان، وقدرة شمال اللّيطاني على الاستيعاب، فضلًا عن الموارد الماليّة اللّازمة لمواجهة أزمة بهذا الحجم.

ستحدّد التطوّرات في خلال الأيّام المقبلة ما إذا كان هذا الإخلاء سيبقى إجراءً مؤقّتًا مرتبطًا بحدّة القتال، أو بداية لإعادة تشكيل أعمق، تتعلّق بالواقع البشريّ والاقتصاديّ في جنوب البلاد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us