مضيق هرمز: ورقة ضغط بيد طهران

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
“ستواكب البحريّة الأميركيّة ناقلات النّفط عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن”. قد يشكّل الإعلان الّذي صدر الثلاثاء الماضي، ثم أكّده الأربعاء الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، منعطفًا حاسمًا في الأزمة المتصاعدة حول هذا الممرّ البحريّ الاستراتيجيّ. ويأتي ذلك في وقت تؤكّد فيه إيران أنّها أغلقت المضيق، وتهدّد بمهاجمة أي سفينة تحاول عبوره، في موقف بدأ بالفعل يُربك حركة الملاحة في المنطقة.
وفي حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، يؤكّد الجنرال دومينيك ترينكوان، الرّئيس السّابق للبعثة العسكريّة الفرنسيّة لدى الأمم المتّحدة، أنّه وإنْ شكّل المضيق اليوم “ورقة ضغط بيد إيران”، فإنّ احتمال فرض طهران سيطرة كاملة على هرمز يبقى مستبعدًا إلى حدٍّ كبير.
هل إغلاق المضيق بالكامل فعلًا ممكن؟
مضيق هرمز ممرّ بحريّ ضيّق، يبلغ عرضه نحو 33 كيلومترًا في أضيق نقطة منه. ويمرّ عبره يوميًّا نحو 20% من النّفط العالميّ، إضافةً إلى حصّة كبيرة من الغاز الطبيعيّ المسال.
تمتلك إيران اليوم وسائل غير متكافئةٍ، قادرة على تعطيل الملاحة بدرجة كبيرة: صواريخ ساحليّة مُضادّة للسّفن، وألغام بحريّة، وطائرات مُسيّرة مسلّحة، وزوارق سريعة. والقدرات هذه كفيلة بجعل العبور شديد الخطورة، وبشلّ حركة الملاحة، ليس بسبب التّهديد الأمنيّ فحسب، بل أيضًا لأسباب أخرى متعدّدة، مثل انسحاب شركات التّأمين، والارتفاع الكبير في أقساط البوالص، وتردّد مالكي السّفن في إرسال سفنهم إلى المنطقة.
في هذا السّياق، يبدو الجنرال ترينكوان حاسمًا: “لن يخاطر مالكو السفن بإرسال سفن إلى المضيق”. بعبارة أخرى، قد يكفي مجرّد التّهديد، حتّى من دون حصار ماديّ محكم، للتسبّب في توقّف حركة الملاحة بشكل كامل.
ويضيف: “إذا كانت السّلطات الإيرانيّة تؤكّد سيطرتها على المضيق، فذلك يندرج قبل كلّ شيء في إطار التّواصل الاستراتيجيّ. لست مقتنعًا بأنّها تُحكم السّيطرة فعلًا عليه، لكنّها قادرة بالتّأكيد على التسبّب بضرر على هذا المستوى”.
ويشير الجنرال أيضًا إلى أنّ التّهديدات تبقى قائمة على الرغم من التّصريحات الأميركيّة الّتي تؤكّد القضاء على الأسطول الإيرانيّ في المنطقة. ويقول: “تتجلّى هذه التّهديدات في وجود الزّوارق الإيرانيّة الصّغيرة دائمًا هناك، واحتمال أن تشكّل عقبات”. ووفق ترينكوان، قد يُستخدم بعضها كزوارق انتحاريّة. كما يذكّر بتحليق طائرات مُسيّرة فوق المناطق الجبليّة المطلّة على المضيق. وفي فضاء ضيّق إلى هذا الحدّ، يمكن أن تؤدّيَ الوسائل الخفيفة إلى حالةٍ دائمةٍ من انعدام الأمن.
واشنطن في صدد “حرب ناقلات” جديدة
تذكّر المرافقة المعلنة بعمليّات عاميْ 1987 و1988 في الحرب الّتي دارت بين إيران والعراق، حين تعهّدت الولايات المتّحدة بحماية ناقلات النّفط الكويتية. وتشمل الاستراتيجيّة نشر مدمّرات، وفرقاطات لمرافقة السّفن، وتوفير غطاء جويّ، إلى جانب مراقبة متواصلة.
غير أنّ قرارًا من هذا النّوع يُثير تساؤلات عملياتيّة متعدّدة. ويقول ترينكوان: “صحيح أنّ الأميركيّين بدوا مطمئنّين ومستعدّين لمواكبة السّفن، إنّما يبقى السّؤال: هل سيقبل مالكو السّفن بعمليّة محفوفة بالمخاطر كهذه؟ لست متأكدًا على الإطلاق”.
ويشير أيضًا إلى تحدٍّ استراتيجيّ ثانٍ: “ستعجز القوّات البحريّة المخصّصة للمرافقة عن المشاركة في عمليّات هجوميّة في الوقت عينه”. ويضيف: “ما هي التّرتيبات الّتي سيعتمدونها لتنفيذ هذه المهمّة؟ لن تُستخدم هذه الوسائل في ضرب إيران”. بالتّالي، تُشكّل المرافقة خيارًا استراتيجيًّا يُعيد توزيع استخدام القدرات العسكريّة الأميركيّة.
ويعتقد الجنرال أنّ الأيّام الخمسة عشر المقبلة ستكون حاسمةً، إذ يتعيّن على الولايات المتّحدة إثبات قدرتها على التصدّي لأي عمليّات إطلاق مُسيّرات محتملة، تستهدف السّفن المدنيّة.
أبرز الضّحايا
إذا كانت المملكة العربيّة السعوديّة قادرة جزئيًّا على تجاوز مضيق هرمز عبر خطّ أنابيب الشّرق – الغرب (من الخليج العربيّ إلى البحر الأحمر)، وصولًا إلى مدينة ينبع في غرب البلاد، يبقى البديل هذا محدودًا. إذ لا تسمح طاقته بتعويض الكميّات الّتي تعبر عادة عبر الخليج، بكاملها. إضافةً إلى ذلك، ترتفع التّكاليف اللوجستيّة بشكلٍ كبيرٍ: فقد تجاوزت رسوم استئجار النّاقلات في ينبع مؤخّرًا 28 مليون دولار لكلّ ناقلة عملاقة. وهكذا، حتّى من دون إغلاق المضيق بشكل رسميّ، يكفي مجرّد التّهديد لإحداث صدمة في أسواق الطّاقة العالميّة.
في المقابل، تبدو الأوضاع أكثر حرجًا بالنّسبة إلى قطر. إذ يمرّ نحو 94% من صادراتها من الغاز الطبيعيّ المسال عبر مضيق هرمز، وما من بديل بريّ قادر على تعويض هذا المسار البحريّ. وفي حال حدوث اضطّراب مطوّل، قد تبلغ الخسائر المرتبطة بالغاز الطبيعيّ المسال وحده نحو 100 مليون دولار يوميًّا. ومع إضافة المنتجات المكرّرة وسائر الصّادرات السّائلة، قد يقترب الأثر اليوميّ من 200 مليون دولار. أمّا كلفة أسبوع من التّعطيل الجديّ، فقد تبلغ نحو مليار دولار، في حين قد تصل الخسائر في شهر إلى مليارات عديدة.
ومن المفارقة أنّ ارتفاع أسعار الغاز العالميّة لن يعود بفائدة فوريّة على الدّوحة. فبغياب منفذ بحريّ آمن، يستحيل إيصال الشّحنات إلى الأسواق الدوليّة.
ويبقى الاتّحاد الأوروبيّ، على الرغم من تنويع مصادر إمداده منذ عام 2022، مرتبطًا بالأسعار العالميّة. وأي تعطيل طويل الأمد سيؤدّي إلى ارتفاع أسعار النّفط، وتوتّر في سوق الغاز الطبيعيّ المُسال، وزيادة في تكاليف النّقل، وضغوط تضخميّة إضافيّة. وبما أنّ أسواق الطّاقة مترابطة، ستتأثّر أوروبا بتداعيات هذا الوضع حتّى من دون واردات مباشرة كبيرة من الخليج.
سلاح استراتيجيّ ذو حدّين
يشكّل مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران أداة ردعٍ قويّةٍ. لكنّ إغلاقه بشكل دائم يُعطّل صادراتها الخاصّة أيضًا، ويضعف علاقاتها مع الصّين، ويتسبّب في مواجهة مباشرة مع البحريّة الأميركيّة.
تقوم إذن الاستراتيجيّة الإيرانيّة، أكثر فأكثر، على الضّغط التدريجيّ وإظهار القدرة، لا على إغلاق كامل وطويل الأمد. وكما يختصر دومينيك ترينكوان، لا يتعلّق الموضوع بسيطرة مُحكمة، بل بقدرة على خلق مستوى من انعدام الأمن، يكفي لإرباك الاقتصاد العالميّ.
في انتظار تنفيذ الإجراءات الّتي أقرّتها واشنطن، لم يعدِ السّؤال الجوهريّ يقتصر على معرفة إن كانت إيران قادرة على إغلاق المضيق بشكل تامّ، بل إذا كان الاقتصاد العالميّ قادرًا على الاستمرار في العمل تحت تهديد دائم يطال أحد شرايينه الحيويّة.
مواضيع ذات صلة :
عشرات السفن تتوقف عند مضيق هرمز وسط تهديدات إيران | مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي على حافة الاشتعال | مضيق هرمز: هل تلعب إيران ورقة الصدمة النفطية؟ |




