ماذا يجري على الحدود اللبنانيّة – السوريّة؟

ترجمة هنا لبنان 11 آذار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت ناتاشا متني طربيه لـ”Ici Beyrouth“:

بينما يتركز الاهتمام أساسًا على جبهة جنوب لبنان، تبرز الحدود اللبنانيّة – السوريّة أيضًا كمنطقة استراتيجيّة حسّاسة في الحرب الجارية. ففي البقاع، وعلى طول 350 كيلومترًا من الحدود الشماليّة الشرقيّة، تبقى التحرّكات العسكريّة حتى الآن دفاعيّة. إلّا أنّ طبيعة التّضاريس، والتّوازنات الاقليميّة، تثير الكثير من التّساؤلات: هل توسّع إسرائيل عمليّاتها في المنطقة؟ وهل تتدخّل القوّات السوريّة في لبنان ضدّ حزب الله؟

أثار انتشار الجيش السوريّ على طول الحدود اللبنانيّة – السوريّة منذ أيّام شائعات حول احتمال تدخّل في الأراضي اللبنانيّة. لكنّ القائد السّابق للقطاع الجنوبيّ من نهر اللّيطاني، الجنرال خليل الجميّل، نفى هذه التكهّنات في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”،مؤكّدًا أنّها لا تعكس الواقع على الأرض. وأردف قائلًا: “لا توحي المؤشّرات على الأرض بأي احتمال لتدخّل سوريّ في لبنان”.

وأشار الجميّل إلى توجيه رسالة واضحة إلى السّلطات اللبنانيّة:”أكّد الرّئيس السوريّ على أنّ هذا الانتشار يهدف حصريًّا إلى مراقبة الحدود، وبالتّالي، فهو تحرّك دفاعيّ بحت.”

على الأرض، تنتشر أربع فرق من الجيش السوريّ اليوم على طول الحدود مع لبنان؛ وتغطّي كل فرقة قطاعًا محدّدًا: تنتشر الفرقة 54 من العريضة حتّى منطقة القاع في شمال البقاع، ولم تُعزّز هذه الأخيرة مواقعها مؤخّرًا، بل احتفظت بالمواقع الدفاعيّة السّابقة.ولفت الجميّل إلى “أنّ الجنود لا يتركون مواقعهم، ويكتفون بتعزيز الدّفاعات، وبناء التّحصينات”.

وتغطّي الفرقة 52 القطاع الممتدّ من القاع حتّى النّبك في سوريا، مقابل مرتفعات يونين في لبنان. وما من إشارة إلى أي زيادة كبيرة في قوّاتها، على الرغم من حالة التأهّب القصوى على مستوى الوحدات، وإغلاق الكثير من المعابر الحدوديّة غير الرسميّة.

أمّا الفرقة 44، فتنتشر بين النّبك ومعبر المصنع الحدوديّ، لتغطّي بذلك جزءًا واسعًا من قضاءيْ بعلبك وزحلة.

وأخيرًا، تنتشر الفرقة 77 بين المصنع ومنطقة راشيّا، لكنّ انتشارها يبقى جزئيًّا.

ويوضح الجميّل “أنّها تسيطر على المواقع الأولى وصولًا إلى دير العشاير فحسب”. وفي هذه المنطقة الاستثنائيّة، يبقى التّواجد السوريّ محدودًا، ما يتيح أحيانًا للقوّات الاسرائيليّة تنفيذ عمليّات توغّل محدودة.

الحسابات الاسرائيليّة في البقاع

يشير الجميّل إلى أنّ إسرائيل تعتبر هذه المنطقة ممرًّا محتملًا لتهريب الأسلحة، ولهذا تتوجّه إليها بانتظام. مع ذلك، تبدو فكرة تقدّم إسرائيليّ عميق في البقاع غير مرجّحة في هذه المرحلة. وأضاف الجنرال: “يتحدّث البعض عن تقدّم إسرائيليّ حتّى معبر المصنع، غير أنّ إسرائيل لم تُعلن قطّ عن نيّة لديها في التوجّه إلى هناك”.

وفي هذا الإطار، عزّزت الجيوش السوريّة واللبنانيّة وجودها لمنع المرور غير القانونيّ؛ فقد أغلقت القوّات السوريّة معظم طرق التّهريب، وهذا ما فعله الجيش اللبنانيّ أيضًا، لتفادي أي حادث، كما يؤكّد الجميّل، مشيرًا إلى أنّ أي تقدّم إسرائيليّ عميق يبقى مستبعدًا في الوقت الرّاهن، نظرًا إلى الخطر الّذي تمثّله المنطقة من النّاحيتيْن الجغرافيّة والأمنية.
أمّا الوصول الفعليّ إلى مواقع حزب الله في البقاع، فيتطلّب من الجيش الاسرائيليّ التقدّم أكثر. وأضاف: “إذا أرادت إسرائيل ضرب حزب الله في هذه المنطقة، عليها الوصول إلى الهرمل، وعبور منطقة البقاع الشرقيّ بكاملها”.

قد يمثّل سيناريو مماثل عمليّةً عسكريّةً ضخمةً للغاية. وأوضح الجنرال: “سبق أن انخرطت إسرائيل في حرب مع إيران. وسيشكّل فتح جبهة بريّة كبرى في لبنان، والتقدّم حتّى الهرمل، جهدًا عسكريًا هائلًا”.

بحسب الجميّل، تبقى الأولويّة الاسرائيليّة في هذه المنطقة لتأمين محاور التّهريب، ومراقبة الطّرق الّتي تربط سوريا بلبنان. وفي هذا السّياق، عزّزت الجيوش السوريّة واللبنانيّة وجودها لإغلاق أي ممرّات غير قانونيّة. ويشير الجنرال إلى “إغلاق الجيش السوريّ معظم طرق التّهريب، كذلك فعل الجيش اللبنانيّ، لتفادي أي حادث”.

الغارات الاسرائيليّة والعمليّات الخاصة

تبقى منطقة البقاع مسرحًا لعمليّات الجيش الاسرائيليّ المحدودة، لا سيّما من خلال عمليّات إنزال جويّ دقيقة. وخلال الأيّام الأخيرة، نفّذت إسرائيل عمليّةً في منطقة النّبي شيت، للبحث عن رفات الطيّار الاسرائيليّ رون أراد الّذي اختفى في لبنان عام 1986. ويشير الجميّل إلى احتمال تكرار مثل هذه العمليّات، إذا اشتبهت إسرائيل بوجود مستودعات أسلحة استراتيجيّة في جبال البقاع.

ويوضح أنّ وجود صواريخ، أو أنظمة متطوّرة في مناطق يصعب الوصول إليها، قد يدفع إسرائيل إلى تفضيل العمليّات الجويّة، عبر الإنزال الميدانيّ، على الضّربات الجويّة، بحيث تكون العمليّات دقيقة، ومبنيّة على معلومات استخباراتيّة دقيقة جدًّا. ويضيف: “يتعيّن أن تترافق هذه التوغّلات مع تغطية جويّة كبيرة، لتجنّب وقوع القوّات الخاصة في كمين، أو في الأسر”. ويقدّر أنّ احتمال تكرار هذا النّوع من العمليّات في المنطقة “مرتفع جدًّا”.

لاحظ الجيش اللبنانيّ، خلال العمليّة الأخيرة قرب النّبي شيت، نشاطًا غير معتاد في السّماء، إذ رصد وجود مروحيّات في المنطقة. وفي الوقت عينه، “كانت مروحيّة أخرى تنقل جنديًّا جريحًا إلى بيروت”، يؤكّد الجميّل، مضيفًا “أنّ الجيش اللبنانيّ أطلق قنابل مضيئة لتحديد مواقع الطّائرات، وتحذير المنطقة. وفور إطلاق القنابل المضيئة، غادرت المروحيّات المنطقة”. وعندما أُعلن عن تبادل إطلاق النّار، أُرسلت وحدة من الجيش اللبنانيّ إلى النّبي شيت، لكنّ القوّات الاسرائيليّة كانت قد غادرت الموقع.

حزب الله ومعادلة البقاع

تبقى مسألة حزب الله مركزيّةً في هذه المنطقة؛ فوفق الجميّل، لا تمتلك المنظومة الشيعيّة، بالضرورة، مواقع عسكريّة واضحة على طول الحدود مع سوريا، لكنّ مقاتليها قد يكونون جاهزين للتدخّل عند الحاجة. وقال الجميّل: “أعتقد أنّ حزب الله يضمّ مقاتلين جاهزين للتحرّك في هذه المنطقة في حال اضطّرارهم إلى ذلك”. مع ذلك، تجعل الجغرافيا استخدام بعض أنواع الأسلحة أكثر صعوبة، فالمسافات من البقاع إلى إسرائيل أكبر بكثير من المسافات من لبنان الجنوبيّ إلى إسرائيل. وأضاف الجميّل: “إذا تم إطلاق صواريخ من هذه المنطقة، فستكون هناك حاجة لصواريخ بعيدة المدى مثل الزّلزال 1، أو الزّلزال 2، القادرة على الوصول إلى نحو 300 كيلومتر”.

مع ذلك، يصعب إخفاء هذا الأنظمة. “تُنقل على مركبات، وبمجرّد إطلاقها، يُكشف موقعها على الفور”، يؤكّد الجميّل. من جهة أخرى، يمكن أن يستخدم حزب الله طائرات مسيّرة هجوميّة، قادرة على قطع مسافات طويلة.

الحدود تحت مراقبة مشدّدة

بالنسبة إلى الجيش اللبنانيّ، تبقى الأولويّة اليوم هي السّيطرة على حدود طويلة جدًّا، ومراقبتها صعبة. تمتدّ الحدود الشماليّة الشرقيّة بين لبنان وسوريا لحوالي 350 كيلومترًا، ولتأمينها، ينشر الجيش أربعة أفواج حدوديّة بريّة، مدعومة بألوية موزّعة في العمق.

ويجري حاليًا تشكيل فوج خامس لتعزيز المراقبة في منطقة يونين، وتقليص المساحات المستخدمة للتّهريب. ويبلغ إجماليّ أبراج المراقبة على طول هذه الحدود 72 برجًا. مع ذلك، يشير الجنرال خليل الجميّل إلى أنّ هذه البنى التحتيّة لا تكفي وحدها لضمان السّيطرة الكاملة على المنطقة، وقال: “إذا أردنا دعم الجيش اللبنانيّ بالفعل، يتعيّن تزويده بقدرات دفاعيّة، ووسائل مراقبة حديثة”.

حتّى الآن، تبقى جبهة الحدود اللبنانيّة – السوريّة هادئة نسبيًّا، لكنّها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطوّرات الاقليميّة. فبيْن الاستراتيجيّة الاسرائيليّة، وحضور حزب الله، والتّوازن الهشّ بين بيروت ودمشق، تظلّ هذه الحدود، الممتدّة 350 كيلومترًا، واحدةً من أكثر المناطق الحسّاسة في الصّراع.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us