الضّاحية الجنوبيّة: التّاريخ المنسيّ

كتبت Natasha Metni Torbey لـ” Ici Beyrouth”:
قبل ظهور الأبنية المتلاصقة ورفع الأعلام الصّفراء، وقبل القصف والخطابات المليشيويّة، شكّلت ضاحية بيروت الجنوبيّة امتدادًا لبساتين الأشجار المثمرة على أبواب العاصمة.
امتدّت حقول الحمضيّات والزّيتون حتّى البحر، وتوزّعت بينها بلدات مثل برج البراجنة، وحارة حريك، والغبيري، والشيّاح، والحدث، واللّيلكي، وتحويطة النّهر، وكفرشيما. ونبضت الحياة اليوميّة فيها على إيقاع الزّراعة والتجارة. أمّا بيروت، فلم تكن آنذاك قد توسّعت مساحتها لتصل إلى تلك الأراضي الخصبة.
عُرفت المنطقة باسم مختلف، “ساحل النصارى”، في إشارة إلى البلدات ذات الغالبيّة المسيحيّة، أو ساحل المتن الجنوبيّ، ولم يظهر مصطلح “الضاحية” إلّا لاحقًا، مع توسّع العاصمة، والهجرة الداخليّة، وتقلّبات الحرب الأهليّة الّتي شملت تدريجيًّا هذه البلدات الريفيّة.
ريف على مشارف بيروت
حافظت المنطقة على طابع ريفيّ حتّى منتصف القرن العشرين. وزُرعت الأراضي بالحمضيّات، والزّيتون، والخضروات الموجّهة إلى أسواق بيروت، وتبعت القرى إداريًّا منطقة جبل لبنان، وحافظت على طابعها الزراعيّ لفترة طويلة.
على عكس الصّورة الرّاهنة الخاصّة بمكان متجانس نسبيًّا، اتّسمت المنطقة آنذاك بتنوّع اجتماعيّ ومذهبيّ. ففي بلدات مختلفة، تعايشت مجتمعات مسيحيّة وشيعيّة جنبًا إلى جنب. على سبيل المثال، ضمّت حارة حريك في خمسينيّات القرن الماضي عددًا كبيرًا من الموارنة، والرّوم الكاثوليك، بينما غلب على منطقة الشيّاح الطّابع المسيحيّ في القسم الأكبر من القرن العشرين.
رغم ذلك، فالوجود الشيعيّ في محيط بيروت قديم العهد، ويعود، وفق مصادر تاريخيّة، إلى العصر المملوكيّ. ويشير مرسوم صدر عام 1363، إلى وجود شيعة في منطقة برج بيروت، أي برج البراجنة الحاليّ. وتصف أيضًا سجلّات الضّرائب العثمانيّة في القرن السّادس عشر هذه البلدة على أنّها شيعيّة، تعتمد، في الأساس على الزّراعة، والتّجارة، مع العاصمة.
الهجرة الريفيّة ونشوء الضّواحي الحضريّة
مع توسّع بيروت منذ عشرينيّات القرن الماضي، بدأت المنطقة تتحوّل تدريجيًّا. فبين ثلاثينيّات القرن وخمسينيّاته، شهدت حركة هجرة داخليّة من القرى اللبنانيّة إلى العاصمة بحثًا عن وظائف وفرص اقتصاديّة، ما أحدث تغيّرًا ديموغرافيًّا تدريجيًّا في هذه المنطقة.
وشهد عام 1954 نقطة تحوّل حاسمة، مع افتتاح مطار بيروت الدوليّ، فجذبت هذه البنية الاستراتيجيّة، سريعًا، أنشطة اقتصاديّة إلى الجوار، واستقرّت مصانع وشركات، لتتحوّل المنطقة تدريجيًا إلى محور صناعيّ وخدماتيّ.
تسارعت وتيرة التحضّر على مدى العقود الّتي تلت. وغادرت عائلات شيعيّة كثيرة لبنان الجنوبيّ، وسهل البقاع، وهما من أكثر مناطق لبنان تهميشًا، لتستقرّ في أطراف العاصمة. وبسبب غياب سياسات تنظيميّة، ومساكن مناسبة، احتلّت هذه العائلات بأغلبها أراضٍ زراعيّة، أو مناطق غير مخطّطة، فظهرت أحياء كاملة من دون تخطيط عمرانيّ فعليّ.
يشير الباحثون إلى ظهور “حزام فقر” حول بيروت المكوّنة من أحياء غير رسميّة، يرتكز فيها المهجّرون الريفيّون، والفئات المهمّشة. وهكذا، أصبحت الضّاحية الجنوبيّة واحدة من أبرز هذه البؤر. واستقبلت المنطقة فئات نازحة أخرى، لا سيّما من اللّاجئين الفلسطينيّين المستقرّين في مخيّمات مثل مخيّم برج البراجنة الّذي تأسّس بعد حرب 1948.
شهدت الضّاحية الجنوبيّة في ستينيّات القرن العشرين وسبعينيّاته، نموًّا سريعًا، خصوصًا مع موجات النّزوح الّتي تسبّبت بها الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، فظهرت أحياء جديدة مثل حيّ السلّم.
وتحوّلت أيضًا الضّاحية الجنوبيّة، في هذا السّياق من التّهميش الاجتماعيّ والاقتصاديّ، إلى أرض للتّعبئة السياسيّة. ولعب الإمام موسى الصّدر دورًا محوريًّا في تنظيم المجتمع الشيعيّ، فطوّر خطابًا ركّز على “المحرومين”، وأسّس عام 1974 “حركة المحرومين” الّتي تحوّلت لاحقًا إلى حركة أمل، لتصبح الضّاحية الجنوبيّة مركزًا اجتماعيًّا وسياسيًّا رئيسيًّا للمجتمع الشيعيّ في بيروت.
من الحرب الأهليّة إلى المعقل السياسيّ
شكّلت الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975 نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ الضّاحية الجنوبيّة. ودفعت أعمال العنف الطائفيّ، والخطف، وانعدام الأمن، الكثير من العائلات المسيحيّة إلى مغادرة المنطقة، ما غيّر تركيبتها الديموغرافيّة بشكل عميق.
وفي الوقت عينه، تسبّبت الغزوات الإسرائيلية على جنوب لبنان عاميْ 1978 و1982 بموجات نزوج جديدة نحو بيروت. وارتفعت بسرعة أعداد سكّان الضّاحية الجنوبيّة، بينما اختفت البساتين تدريجيًّا لتحلّ مكانها الأبنية السكنيّة.
وبعد عام 1984، تسارعت وتيرة هذا التحوّل مع انسحاب الجيش اللبنانيّ من مناطق مختلفة في الضّاحية الجنوبيّة، حيث استقرّ الكثير من النّازحين القادمين من جنوب لبنان والبقاع، وشهدت المنطقة موجة كبيرة من بيع الأراضي، والعقارات، في سياق الحرب.
في هذا المناخ المليء بحركة النّزوح، والتّهميش الاجتماعيّ، بدأ حزب الله، الّذي تأسّس في أوائل الثمانينيّات، بالتّموضع في المنطقة. وفي عام 1985، أعلن عن إنشاء تنظيمه رسميًّا من خلال “رسالته المفتوحة” الّتي أُعلنت من بئر العبد، لتصبح الضّاحية الجنوبيّة تدريجيًّا واحدة من أبرز مراكز النّفوذ لديه.
وفي نهاية الثمانينيّات، شكّلت المنطقة أيضًا مسرح اشتباكات عنيفة بين حركة أمل وحزب الله، حيث تحوّلت مداخل الضّاحية الجنوبيّة إلى خطوط مواجهة، في ما عرف لاحقًا باسم “حرب الإخوة”.
وعلى مدى عقود، شكّلت بلدات حارة حريك، وبرج البراجنة، والغبيري، والمريجة، والشيّاح، وحدة حضريّة واسعة، تأوي اليوم مئات الآلاف من السكّان.
مثّلت حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله منعطفًا جديدًا، ودُمّرت أجزاء واسعة من الضّاحية الجنوبيّة بفعل القصف الإسرائيلي. وبعد انتهاء الحرب، أطلق حزب الله برنامج إعادة إعمار واسعة عبر مشروع “وعد” الّذي أعاد تشكيل المشهد العمرانيّ في الضّاحية بشكل كبير.
أمّا ضاحية بيروت الجنوبيّة، الّتي شكّلت قديمًا بساتين من الأشجار المثمرة، وأصبحت اليوم معقلًا سياسيًّا لمليشيا تدمّر نفسها وتدمّر الآخرين، فتبقى مرآة التقلّبات الّتي شهدها لبنان: في المكان الّذي اختفت فيه الأشجار والقرى، تبقى القصص والذّكريات حاضرة.
مواضيع ذات صلة :
إنذار يستهدف الضاحية الجنوبية | الجيش الإسرائيلي يبدأ موجة غارات في الضاحية الجنوبية | إسرائيل تعلن استهداف مواقع لحزب الله في الضاحية الجنوبية وصور |




