“قشم”: جزيرة استراتيجيّة في مضيق هرمز وسط التّصعيد العسكريّ

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
مع جزيرة الخرج، الواقعة في قلب الخليج الفارسيّ، يطلّ شريط أرضيّ آخر قبالة سواحل إيران الجنوبيّة، في الممرّ البحريّ الضيّق عند مضيق هرمز. وفي الأيّام الأخيرة، تصدّر هذا الإقليم المجهول نسبيًّا لدى عامة النّاس، المشهد الإقليميّ، بعد استهداف محطّة لتحلية المياه فيه، في سياق الحرب الدّائرة.
اتّهمت إيران الولايات المتّحدة، في السّابع من آذار، باستهداف منشأة لتحلية المياه في الجزيرة، مؤكّدة تعطيل إمدادات مياه الشّرب لنحو ثلاثين قرية بسبب الهجوم. من جهتها، نفت واشنطن استهداف هذه البنية التّحتيّة المدنيّة، فيما يأتي الحادث في سياق تصعيد، تحوّلت فيه المنشآت الحيويّة، من طاقة، ونقل، ومياه، وبشكلٍ تدريجيّ، إلى أهداف استراتيجيّة في النّزاع.
وبعيدًا عن هذه الحادثة العسكريّة، ليست “قشم” بجزيرة عاديّة؛ إذ تُعتبر بحكم جغرافيّتها وموقعها، إحدى النّقاط المحوريّة في الخليج.
جزيرة في وسط أكثر المضائق استراتيجيّة في العالم
تُعتبر قشم أكبر جزيرة في الخليج الفارسيّ، إذ تبلغ مساحتها نحو 1500 كيلومتر مربّع، ويتجاوز طولها 130 كيلومترًا. وتقع على بعد بضعة كيلومترات من السّاحل الإيرانيّ، قبالة الميناء الاستراتيجيّ بندر عباس، وفي مضيق هرمز مباشرة، وهو ممرّ بحريّ يجتازه جزء أساسيّ من تجارة النّفط العالميّة.
ويمنحها موقعها أهميّة جيوسياسيّة كبرى. فمضيق هرمز واحد من أبرز نقاط الاختناق الطاقويّ في العالم، إذ يربط الخليج الفارسيّ بالمحيط الهنديّ. وأي وجود عسكريّ، أو لوجستيّ في هذه المنطقة يمكن أن يؤثّر في أمن طرق الملاحة البحريّة الّتي تسلكها ناقلات النّفط بين دول الخليج، والأسواق الدوليّة.
كما تقع قشم على مقربة مباشرة من أطراف إقليميّة متعدّدة؛ إذ تبعد نحو 60 كيلومترًا عن ميناء خصب العُمانيّ، وأقلّ من 200 كيلومتر عن سواحل الإمارات العربيّة المتّحدة. ويُفسّر هذا الموقع سبب التّنافس عليها في فترات مختلفة من التّاريخ، كما يفسّر احتفاظها اليوم بقيمة استراتيجيّة بالنسبة إلى طهران.
منطقة بحريّة واقتصاديّة حيويّة بالنسبة إلى إيران
بعيدًا عن موقعها الجغرافيّ، تُعدّ قشم أيضًا مركزًا اقتصاديًّا بارزًا بالنسبة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. إذ تضمّ الجزيرة منطقة حرّة واسعة، تهدف إلى جذب الاستثمارات، إلى جانب بنية تحتيّة مينائيّة وبحريّة، مرتبطة بالصّيد والتّجارة والنّقل الإقليميّ.
ويعيش سكّانها الّذين يُقدّر عددهم بنحو 150 ألف نسمة وفق أحدث الإحصاءات، من الصّيد والتّجارة البحريّة، وأنشطة السّياحة البيئيّة. وتُشتهر الجزيرة خاصّةً بغابات المانغروف في هارا، ومناظرها الجيولوجيّة الخلّابة، ما أهّلها لتصبح جيوبارك عالميًّا معترفًا به من قبل اليونسكو. وتجدر الإشارة إلى أنّ غابات المانغروف في هارا عبارة عن أشجار بحريّة تتحمّل الملوحة، وتنمو في المياه الضّحلة حول قشم، لتشكّل نظامًا بيئيًّا نادرًا في الخليج الفارسيّ، ومُهمًّا للتنوّع البيولوجيّ المحليّ.
مملكة الملح
يميّز قشم أيضًا عنصر طبيعيّ آخر في تضاريسها: الملح. إذ تغلب على الجزيرة تشكيلات جيولوجيّة فريدة، أبرزها قبّة الملح المدهشة في نمكدان. وتشكّلت هذه القبّة من طبقات ملحيّة قديمة، ارتفعت من أعماق القشرة الأرضيّة، وتمتدّ على كيلومترات متعدّدة، لتكون واحدة من أبرز الظّواهر الجيولوجيّة في الخليج الفارسيّ.
ويقع في قلب هذه القبّة كهف الملح في نمكدان الّذي تمتدّ ممرّاته لكيلومترات تحت جبل الملح. وتكسو جدرانه بلّورات متلألئة، ورواسب معدنيّة نحتتها الرّطوبة والزّمن، ويُعتبر من أطول كهوف الملح في العالم الشاهدة على تاريخ هذه الجزيرة الجيولوجيّ الاستثنائيّ.
وتندرج هذه التّشكيلات ضمن جيوبارك قشم المعترف به من قبل اليونسكو، لما يتميّز به من تنوّع طبيعيّ، ومناظر خلّابة. وبعيدًا عن قيمته السياحيّة والطبيعيّة، يتميّز ملح قشم بأهميّة استراتيجيّة أيضًا، إذ يؤمّن موارد صناعيّة، ويؤثّر في بنية الجزيرة التّحتيّة، كما يؤثّر مباشرة في الوصول إلى المياه، وهو أمر بالغ الأهميّة في ظلّ الضّربات الأخيرة على محطّات التّحلية.
مواضيع ذات صلة :
كاين: مضيق هرمز “معقد تكتيكيا” | محادثات أوروبية مع إيران حول مضيق هرمز | ترامب: سحقنا إيران.. ولا داعي للخوف من عبور مضيق هرمز |




