معارك الخيام: سقوطها يمهّد الطريق نحو الليطاني!

كتبت Natasha Metni Torbeyلـ”Ici Beyrouth”:
تشهد مدينة الخيام في قضاء مرجعيون حاليًا أعنف المعارك التي عرفها جنوب لبنان منذ بدء الهجوم البري الاسرائيلي. إذ تحولت الاشتباكات في هذه المنطقة البعيدة بضعة كيلومترات عن الحدود، في الأيام الأخيرة، من قصف مكثف إلى معارك قريبة شرسة، وصفها البعض أحيانًا بأنها معارك حضرية حقيقية.
تتقدم القوات الاسرائيلية تدريجيًا في الميدان، تحت غطاء جوي ومدفعي كثيف، بينما يحاول مقاتلو حزب الله إبطاء تقدمها عبر نصب الكمائن، وإطلاق صواريخ مضادة للدروع، وشن هجمات سريعة قبل الانسحاب.
موقع مهيمن في سهل مرجعيون
لفهم عنف المعارك في الخيام، يتعين أولًا التمعّن في جغرافية المنطقة. فبحسب الجنرال خليل الجميّل، قائد القطاع الجنوبي السابق في نهر الليطاني، تشكل الخيام موقعًا من المواقع الأكثر هيمنة في جنوب لبنان.
تمتد المدينة على مساحة 8 كيلومترات مربعة تقريبًا، وتبعد أقرب نقطة فيها حوالي 4 كيلومترات عن الحدود الاسرائيلية. ترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، وتشرف على منطقتين استراتيجيتين: شمالًا، سهل مرجعيون/القليعة، وجنوبًا، سهل الخيام الممتد نحو الحدود ونهر الوزاني.
يقول الجميّل: “تهيمن الخيام على المنطقة المحيطة بكاملها. ومن هذا الموقع المرتفع، يمكن مراقبة معظم التحركات العسكرية في المنطقة”. تؤمن هذه الطوبوغرافيا ميزة تكتيكية كبيرة، إذ تتيح استخدام حزب الله للصواريخ المضادة للدروع، قصيرة وطويلة المدى، مثل “كورنيت” بمدى نحو 8 كيلومترات، أو صواريخ “الماس” بمدى يصل إلى نحو 12 كيلومترًا. “من هذه المرتفعات، يستطيع المقاتلون مراقبة تحركات القوات الاسرائيلية، واستهدافها عن بعد”، يوضح الجميّل.
السيطرة على الطرق المؤدية إلى الليطاني
تؤدّي الخيام دورًا حيويًا في التحكم بالمحاور الطرقية في المنطقة، إذ تقع على الطرق التي تصل الحدود بوادي الليطاني، خصوصًا نحو الخردلي شمالًا، والقطاعات المؤدية إلى حاصبيا وشبعا شرقًا.
ويضيف الجميّل: “كل من يحاول التقدم نحو الليطاني في هذا القطاع يكون تحت المراقبة والاستهداف من الخيام”.
وتجدر الإشارة إلى أن نهر الليطاني يبعد نحو 5 كيلومترات عن الحدود في هذه المنطقة، ما يجعلها واحدة من أقصر النقاط بين الحدود الاسرائيلية والنهر.
بالتالي، لا تعني السيطرة على الخيام الهيمنة على سهل مرجعيون فحسب، بل تأمين الطرق المؤدية إلى النهر أيضًا. ويضيف الجميل: “إذا سقطت الخيام، ستُمهد الطريق نحو الليطاني، ونحو حاصبيا وشبعا شرقًا”. وستصبح المدينة منصة استراتيجية لتوسيع نطاق السيطرة في الأراضي اللبنانية.
تتميز الخيام ببعد رمزي كبير، إذ احتوت في ثمانينيّات القرن الماضي وتسعينيّاته على سجن الخيام الشهير الذي استخدمه جيش جنوب لبنان خلال الاحتلال الاسرائيلي، حيث سجن آلاف المعتقلين غالبًا من دون محاكمة، كما تم تسجيل الكثير من حوادث التعذيب. وتحول الموقع بعد الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، إلى نصب تذكاري، قبل أن يُدمر في حرب 2006.
الاستراتيجية الاسرائيلية
تشهد مدينة الخيام اليوم مواجهات على شكل حرب حضرية صعبة للغاية. ولم تستطع القوات الاسرائيلية حتى الآن، بحسب الجميّل، دخول سوى جزء محدود من المدينة. “تسيطر حاليًا على قطاع المدينة الجنوبي، ولا تتجاوز سيطرتها 20% من الخيام تقريبًا”، يوضح الجميّل، بينما يقوم مقاتلو حزب الله بشن هجمات سريعة على الوحدات الاسرائيلية.
ويضيف: “يعملون في مجموعات صغيرة، اثنان أو ثلاثة مقاتلين في كل مرة، ويظهرون فجأة، فيطلقون النار ثم ينسحبون، وينصبون الكمائن للجنود والمصفحات”.
غالبًا ما تتراجع الوحدات الاسرائيلية، في مواجهة هذه الهجمات، قبل تدخل الطيران لضرب المناطق التي أُطلقت منها النيران. ويشير الجميّل إلى مشاركة وحدات إسرائيلية متعددة في المنطقة، من بينها عناصر الفرقة 91، فرقة الجليل، ووحدات النخبة مثل الفرقة (136)، ولواء غولاني الذي يضم قوات كوماندوس متخصصة في القتال عن قرب. “عندما تتقدم القوات الاسرائيلية وتتعرض للنيران، تتراجع، ويقصف الطيران المنطقة قبل محاولة تقدم جديدة”، يوضح الخبير العسكري.
أما مقاتلو حزب الله، فيستخدمون المباني كمواقع لإطلاق النار. يقول الجميّل: “في بيئة حضرية، يمكن إطلاق صاروخ مضاد للدروع من منزل أو مبنى مدمر، ما يجعل اكتشافه أصعب بكثير”.
جبهة تمتد إلى جنوب لبنان بكامله
على الرغم من تركيز الاسرائيليين على الخيام، لا تقتصر المواجهات على هذه المدينة. فقد نُشرت ثلاث فرق على طول الحدود اللبنانية الاسرائيلية، تغطي كامل الجبهة من الناقورة حتى جبل الشيخ. تشرف على القطاع الغربي الفرقة 146، بينما تعمل الفرقة 91، فرقة الجليل، في المنطقة الوسطى؛ أما شرقًا، نحو مزارع شبعا والجولان، فتقع العمليات تحت مسؤولية الفرقة 210.
لوحظت تحركات في القطاع الشرقي، حول الطيبة، ومحيط مركبا وحولا، كما سجلت محاولات تسلل قرب القوزح وبيت ليف، بينما جرت اشتباكات في محيط حولا، ومركبا، وطلوسة في القطاع المركزي.
على الساحل، جرى تعزيز مواقع محصنة قرب اللبونة وتل غباين، حيث تسعى القوات الاسرائيلية إلى الوصول إلى تل شمعة، الذي يسيطر على الطريق الرابط بين الناقورة وصيدا.
تتبع هذه التحركات منطقًا إقليميًا واضحًا: السيطرة على سلسلة تلال تبعد نحو خمسة إلى ستة كيلومترات في الأراضي اللبنانية. تمنح هذه المرتفعات المترابطة سيطرة بصرية وتكتيكية على المناطق الواقعة أسفلها، وتتيح إنشاء منطقة عازلة محتملة.
يقول الجميّل: “يتقدم الجيش الاسرائيلي ببطء وحذر، ويختبر المواقع، ويتقدم بوحدات صغيرة، ثم يتراجع عند مواجهة مقاومة شديدة من حزب الله”. ويرى أن هذه الاستراتيجية قد تهدف إلى إرهاق مقاتلي حزب الله تدريجيًا، قبل تنفيذ أي عملية أوسع نطاقًا.
في هذا السياق، تتجاوز معركة الخيام حدود المدينة، إذ تعتبر واحدةً من النقاط الأساسية في الجبهة الجنوبية، حيث يتحدّد التوازن بين التقدم الإسرائيلي وقدرة المقاومة على الصمود في الميدان.
مواضيع ذات صلة :
نتنياهو: “رغم الإنجازات الكبرى سنستمر بالتدمير” | الجيش الاسرائيلي: “الحزب” أطلق 700 صاروخ وقذيفة تجاه إسرائيل | الأسبوع الثالث من المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية: تصعيد عسكري وضغوط دبلوماسية |




