اقتصادات الخليج على وقع فوضى الحرب

ترجمة هنا لبنان 17 آذار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Liliane Mokbel لـ”ici beyrouth“:

مع تصاعد وتيرة الحرب الّتي تشنّها إسرائيل والولايات المتّحدة على إيران، تواجه اقتصادات الخليج معادلة متناقضة. فمن جهة، يعزّز ارتفاع أسعار النّفط الإيرادات العامة ويدعم الميزانيّات الوطنيّة، ومن جهة أخرى، يهدّد تصاعد التوتّرات الجيوسياسيّة طرق التّجارة، والاستثمارات الأجنبيّة، ومسارات تنويع الاقتصاد.

من السعوديّة إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، مرورًا بقطر والبحريْن، تواجه كل دولة تداعيات متفاوتة، تكشف هشاشة منطقة محوريّة لجهة التّجارة العالميّة وأسواق الطّاقة. وتصف الوكالة الدوليّة للطّاقة هذه الاضطّرابات بأنّها “من أخطر ما سُجّل في إمدادات النّفط والغاز”.

وعلى المستوى الإقليمي، بدأ النّزاع ينعكس على قطاع السّياحة؛ إذ يتوقّع معهد “تورزم إيكونوميكس” تراجع عدد الزّوار بنسبة 27% هذا العام، ما قد يفضي إلى خسائر تصل إلى 56 مليار دولار من إنفاق السّياحة الدوليّة في الشّرق الأوسط.

الإمارات: النّقل والاستثمار تحت الضّغط

تتأثّر الإمارات العربيّة المتّحدة، المركز التجاريّ والماليّ البارز في الشّرق الأوسط، بتداعيات تصاعد الحرب، من تحويل مسارات الرّحلات الجويّة وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستيّة، إلى اضطّراب حركة الملاحة البحريّة. ويبرز ميناء الفُجيْرة الاستراتيجيّ، أكبر محطّة نفطيّة في خارج مضيق هرمز، كنقطة حسّاسة لأمن صادرات الهيدروكربونات. وقد سبق أن تعرّض لهجوميْن، لكنّه استأنف نشاطه.

وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، يدفع هذا الغموض بعض المستثمرين والمقيمين الأثرياء إلى إعادة النّظر في تركّز أصولهم في دبي، والتوجّه نحو بدائل أكثر أمانًا مثل سنغافورة. وقد انعكس ذلك في تعليق بعض الصّفقات العقاريّة، وتزايد التّساؤلات حول استدامة النّموذج الاقتصاديّ المحليّ على المدى الطّويل.

مع ذلك، تحتفظ دبيّ بعناصر قوّتها: بنية تحتيّة متطوّرة، ونظام ضريبيّ جاذب، وموقع جغرافيّ استراتيجيّ يربط بين آسيا، وأوروبا، وأفريقيا. غير أنّ الحرب أعادت رسم المعادلة؛ فلم تعد هذه المزايا كافية لطمأنة المستثمرين، في ظلّ تصاعد المخاطر الجيوسياسيّة المباشرة.

السعوديّة: عملاق نفطيّ تحت ضغوط جيوسياسيّة

تستفيد المملكة العربيّة السعوديّة، أكبر مصدّر للنّفط في العالم، على المدى القصير، من ارتفاع أسعار الخام، ما يعزّز الإيرادات العامة، ويدعم طموحات برنامج “رؤية 2030”.

إلا أنّ المملكة تبقى معرّضة بشكل كبير للمخاطر الأمنيّة. إذ تمثّل البنية التحتيّة النفطيّة، الّتي سبق أن استُهدفت، أصولًا استراتيجيّة حسّاسة، وأي هجوم عليها قد يسبّب اضطّرابًا واسع النّطاق في الأسواق العالميّة.

كما يثقل عدم اليقين الجيوسياسيّ كاهل الاستثمارات الأجنبيّة، الضروريّة لتنويع الاقتصاد السعوديّ. وتجسّد رسالة شركة “أرامكو السعوديّة” الأخيرة إلى عملائها هذه التوتّرات، إذ لم تحدّد بعد الميناء الّذي ستستخدمه لصادرات نيسان.

علاوة على ذلك، قد تزيد تهديدات الحوثيّين في اليمن، المتحالفين مع إيران، من تفاقم الوضع، إذ سيؤثّر أي هجوم على ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو البديل الوحيد حاليًّا لتصدير النّفط السعوديّ، مباشرة على الاقتصاديْن الوطنيّ والعالميّ.

قطر: عملاق الغاز في مواجهة ضغوط جيوسياسيّة

تعتمد قطر، أكبر مصدّر للغاز الطبيعيّ المسال في العالم بشكل كبير على استقرار طرق الملاحة البحريّة لضمان تدفّق صادراتها من الطّاقة.

وقد يؤدّي تدهور الوضع الأمنيّ في الخليج إلى تعقيد نقل الغاز نحو الأسواق الآسيويّة والأوروبيّة. مع ذلك، وكما هي الحال في أسواق النّفط، قد يعزّز ارتفاع أسعار الطاّقة إيرادات الدولة.

تبقى قطر يقظة إزاء المخاطر الجيوسياسيّة، لا سيّما في ظلّ قربها الجغرافيّ من إيران، الّتي تتقاسم معها أكبر حقل غاز في العالم، حيث يُسمّى “ساوث بارس” في الجانب الإيرانيّ ، و”نورث دوم” في الجانب القطريّ. ويُعتبر هذا الحقل الأكبر عالميًّا، وتُقدَّر احتياطياته بنحو 51 ألف مليار متر مكعّب من الغاز في باطن الأرض، ما يجعله موردًا استراتيجيًّا بالغ الأهميّة بالنسبة إلى البلديْن.

البحريْن: هشاشة اقتصاديّة

تعتمد البحريْن، صاحبة أصغر اقتصاد في مجلس التّعاون الخليجيّ، على موارد نفطيّة محدودة، واقتصاد يبقى ضعيفًا من ناحية التنوّع. وتفاقمت هشاشة البحريْن بفعل اختلالات هيكليّة، مثل دين عام يتجاوز 133% من النّاتج المحليّ الاجماليّ، وعجز في الميزانيّة يقارب 11%، ما يجعل المملكة من أكثر الدول الخليجيّة تعرّضًا لتداعيات الصّراع الإقليميّ، وواحدة من أبرز الاقتصادات هشاشة أمام الصّدمات الجيوسياسيّة.

تشير التّقديرات الأوليّة إلى تباطؤ النّمو إلى 4.4% في 2026، مقارنة بـ 5.9% قبل الأزمة، أي فقدان نحو 1.5 نقطة مئويّة. ويُعتبر قطاع السّياحة، الّذي يشكّل ما بين 6% و9% من النّاتج المحليّ الاجماليّ، الأكثر تضرّرًا، مع تراجع واضح في النّشاط نتيجة التوتّرات الشّرق أوسطيّة.

ويعتمد الاقتصاد البحريْنيّ بشكل كبير على قطاع الخدمات الماليّة، وعلى دعم شركائه الاقليميّين، وفي ظلّ هذا المناخ غير المستقرّ، قد تتراجع ثقة المستثمرين، ما يثقل على تدفّقات رؤوس الأموال.

وتبدو البحريْن، بشكل خاص، أكثر عرضة للتقلّبات الاقليميّة.

الكويت: اقتصاد يعتمد على النّفط

يعتمد الاقتصاد الكويتيّ بشكل كبير على قطاع الهيدروكربورات، الّذي يشكّل الجزء الأكبر من الصّادرات والإيرادات العامة.

بالتّالي، يمكن أن يحسّن ارتفاع أسعار النّفط الوضع الماليّ على المدى القصير، لكنّ الاعتماد الهيكليّ على الطّاقة يجعل الكويت عرضة للصّدمات الجيوسياسيّة، وتقلّبات الأسواق. كما قد تؤثّر التوتّرات الإقليمية على الاستثمارات، والمشاريع الرّامية إلى تنويع الاقتصاد، ما يزيد من هشاشته.

عُمان: توازن اقتصاديّ هشّ

يُعتبر اقتصاد سلطنة عُمان أضعف نسبيًّا مقارنة بجيرانها، وقد تستفيد البلاد من ارتفاع أسعار النّفط لتحسين الماليّة العامة.

مع ذلك، تقع السّلطنة بالقرب من مضيق هرمز، الممرّ الاستراتيجي الّذي يعبره جزء كبير من تجارة الهيدروكربورات العالميّة، ما يجعل أي تصعيد عسكريّ في المنطقة تهديدًا مباشرًا لاقتصادها. كما قد تؤدّي هذه التوتّرات إلى ارتفاع تكاليف خدمات النّقل، والخدمات اللوجستيّة، وأقساط التّأمين البحريّ، ما يزيد من الضّغوط على الاقتصاد، ويهدّد استقراره الماليّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us