التّفاوض تحت النّار: مخاطرة دبلوماسيّة أم وهم سياسيّ؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
مع تصاعد حدّة الغارات الاسرائيليّة، وتحّرك خطّ الجبهة شمالًا، يُطرح سؤال محوريّ: هل يمكن فعليًّا التّفاوض بينما تُعيد الحرب رسم التّوازنات على الأرض، توازنات عجزت أي طاولة دبلوماسيّة عن تثبيتها؟
في الأسابيع الأخيرة، ظهرت إشارات متناقضة. فمن جهة، توسّع إسرائيل نفوذها العسكريّ تدريجيًّا جنوب لبنان، وتضاعف تحذيرات الإخلاء، مفرغة مناطق كاملة من سكّانها. ومن جهة أخرى، تسعى بيروت، بدعم من باريس، إلى إعادة إطلاق ديناميّة دبلوماسيّة، لم تتحقّق حتّى الآن.
استراتيجيّة عسكريّة تسبق التّفاوض
وفق تحليلات متعدّدة، نشرتها الصّحافة الإسرائيليّة، لا يتمثّل هدف تل أبيب المباشر في فتح قناة سياسيّة، بل في إعادة تشكيل التّوازنات على الأرض قبل أي نقاش. ويأتي توسّع “المنطقة الآمنة” التدريجيّ جنوب اللّيطاني، وربّما ما وراءها، في هذا الإطار.
ويؤكّد العميد المتقاعد خليل الحلو هذا النّهج، حيث شدّد في مقابلة مع موقع “Ici Beyrouth” على أنّ هذه الاستراتيجيّة العسكريّة تخضع لمنطق مستقلّ، منفصل عن أي أفق دبلوماسيّ. ويرى أنّ توسيع هذه المنطقة العازلة يشكّل بحدّ ذاته هدفًا أساسيًّا لدى إسرائيل، وليس مجرّد وسيلة ضغط في مفاوضات محتملة.
تعتمد هذه الاستراتيجيّة عمليًّا على آليّة مزدوجة: احتلال مؤقّت لمناطق استراتيجيّة، وانتقال السكّان قسرًا نتيجة تحذيرات متكرّرة، بهدف إنشاء مساحة خالية من أي وجود لحزب الله.
وتتجاوز هذه المناورة جنوب لبنان لتندرج ضمن رؤية أمنيّة أوسع. ويوضح الخبير العسكري: “يسعى الاسرائيليّون إلى إنشاء تواصل بين لبنان وسوريا لتأمين الحدود”، مشيرًا إلى محور يمتدّ من صيدا حتّى اللّيطاني، ثمّ يصعد نحو جبل الشّيخ، في سياق التقدّم الاسرائيليّ في الأراضي السوريّة بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأوّل 2024.
قنوات دبلوماسيّة لا تزال هشّة
بالتّوازي، تحاول مبادرات دبلوماسيّة متعدّدة الظّهور والتقدم. فقد دفعت فرنسا منذ أيّام بمقاربة مستوحاة من القرار 1701، تقوم على انسحاب حزب الله شمال اللّيطاني، وتعزيز انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب، وتقديم ضمانات أمنيّة لإسرائيل. وتأتي هذه المقاربة ضمن جهود باريس المستمرّة منذ أشهر لتفادي اندلاع حرب شاملة.
من الجانب الأميركيّ، عُيّن المبعوث جاريد كوشنر لمتابعة الملفّ باسم واشنطن، بينما أسندت إسرائيل هذا الملفّ الاستراتيجيّ إلى رون ديرمر، وهو مقرّب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وواحد من أكثر مفاوضيه خبرة.
حتّى الآن، تبقى هذه المبادرات نظريّةً إلى حدّ كبير. ويشير الحلو إلى هشاشة العمليّة، مؤكّدًا أنّ الملفّ لا يزال في مرحلة أوليّة، ولن يتقدّم من دون خطوات ملموسة من بيروت، مضيفًا: “يتعيّن أن تتصرّف الدولة اللبنانيّة بفعالية لتثبت أنّها دولة حقيقيّة، لا مجرد واجهة”.
الخلاصة قاسية، لكنّها تحظى بتوافق واسع في الكثير من الأوساط الدبلوماسيّة الغربيّة. فمن دون مبادرة ملموسة من بيروت، لا سيّما في مسألة احتكار السّلاح، ستواجه أي مفاوضات أزمة مصداقيّة.
ماذا يبقى للبنان للتّفاوض بشأنه؟
يشكّل هذا السّؤال واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية، من دون أدنى شكّ. ففي الأوساط الدبلوماسيّة الغربيّة، وكما أوردت وسائل إعلام إسرائيليّة متعدّدة، يتكرّر استنتاج واحد: كلّما تقدّمت إسرائيل ميدانيًّا، تقلّص هامش المناورة أمام لبنان. إذ أعلن الجيش الاسرائيليّ الأربعاء عزمه استهداف المعابر على نهر اللّيطاني، اعتبارًا من منتصف اليوم عينه.
ويحذّر الحلو قائلًا: “إذا أصرّت الحكومة اللبنانيّة على التّراخي، سيفرض الاسرائيليّون شروطهم حرفيًّا”. ويضيف: “إذا طال أمد الهجوم، واستمرّت منطقة الأمن في التوسّع، ما الّذي سيبقى ليتفاوض لبنان عليه؟ وإلى أي دعم يمكنه أن يستند لضمان الانسحاب؟”
في هذا السّياق، تتقلّص مساحة المناورة أمام بيروت أكثر فأكثر. نظريًّا، يمكن أن يسعى لبنان إلى الحصول على وقف إطلاق نار منظّم، وإلى نشر الجيش بشكل فعليّ في الجنوب، وإلى ضمانات دوليّة لسيادته الاقليميّة، وربّما جدول زمنيّ لخفض التّصعيد. لكنّ هذه الخيارات ترتبط جميعها بعنصر أساسيّ: قدرة الدولة الفعليّة على فرض سلطتها على حزب الله.
والشّكوك عميقة في هذا الصّدد. يختصر الحلو المشهد بقوله: “لقد مضى أكثر من عام على إعلان الدولة اللبنانيّة رغبتها في التحرّك، من دون أي نتائج ملموسة. كيف يمكن الوثوق بالتزاماتها في هذه الظّروف؟”
خطر فرض أمر واقع
خلف التّزامن الظّاهر بين الحرب والدبلوماسيّة، يبقى خلل جوهريّ قائمًا. فالوتيرة اليوم تحدّدها القوّة العسكريّة، لا السّياسة. وفي سلسلة من التّصريحات الصّادرة عن الإدارة الأميركيّة، يتكرّر التّشديد على ضرورة “إنهاء” تهديد حزب الله.
الخطر واضح وضوح الشّمس بالنسبة إلى الحلو: خطر تسوية مفروضة. “نتّجه نحو أمر واقع”، يحذّر العميد المتقاعد. “يفاوض لبنان من موقع ضعف، لا بل من موقع غير سياديّ”. وفي هذا السّيناريو، لن يكون الهدف من المفاوضات، إذا حصلت، التوصّل إلى تسوية، بل مجرّد إقرار بواقع جديد، مفروض بالقوّة”.
يبقى المجهول الأكبر هو التّوقيت. فكلّما ماطل لبنان في مسألة نزع السّلاح، تأخّر تبلور المباحثات، وتضاءل دور الدبلوماسيّة.




