جنوب لبنان تحت الوصاية: من منظّمة التّحرير الفلسطينيّة إلى إيران

ترجمة هنا لبنان 20 آذار, 2026

كتب Fred Khair لـ”Ici Beyrouth“:

ليست مسألة السّيادة في جنوب لبنان بجديدة، فهي جزء من مسار تاريخيّ اتّسم بانتهاكات متكرّرة، وعجز مزمن برهنته الدولة في فرض سلطتها. منذ ستينيّات القرن الماضي، بدأ اتّفاق هدنة 1949 الإسرائيليّ – اللبنانيّ يفقد مضمونه تدريجيًّا من الجانب اللبنانيّ، بما يخالف روحه الأصليّة. ومهّدت هذه التّجاوزات الأولى الطّريق أمام تدهور أمنيّ مستمرّ، ستبقى آثاره ملموسة لعشرات السّنين.

شهد عام 1969 منعطفًا حاسمًا مع توقيع اتفاقيّة القاهرة، الّتي صادق عليها البرلمان اللبنانيّ على الرغم من عدم قدرته على استيعاب تبعاتها ونتائجها. ومنح هذا الاتّفاق المنظّمات الفلسطينيّة حريّة العمل العسكريّ من الأراضي اللبنانيّة، مُنشئًا عمليًّا منطقة شبه مستقلّة، وخارجة عن سيطرة الدولة.

ظهور “أرض فتح” وعمليّة اللّيطاني: فقدان السّيطرة على الجنوب

في منطقة العرقوب، تجسّدت الاستقلاليّة الممنوحة للمنظّمات الفلسطينيّة بظهور “أرض فتح”، وهي منطقة خضعت تقريبًا لسيطرة منظّمة التّحرير الفلسطينيّة شبه الكاملة. ومن هذه الأراضي، شنّت القوّات الفلسطينيّة عمليّات ضدّ إسرائيل، ما عرّض السكّان المحليّين لانتقام متكرّر ومنهجيّ.

عام 1978، أدّت هجمة نفّذتها فتح إلى إطلاق عمليّة اللّيطاني، الّتي غزت خلالها القوّات الإسرائيلية جنوب لبنان وصولًا إلى نهر اللّيطاني. وردًّا على ذلك، أصدر مجلس الأمن القرار 425، مطالبًا بالانسحاب الإسرائيليّ، ومؤسّسًا قوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان.

1982: الغزو الإسرائيليّ وولادة حزب الله

عام 1982، شنّت إسرائيل عمليّة “سلام الجليل” لطرد منظّمة التّحرير الفلسطينيّة من لبنان، ما زعزع بشكل عميق التّوازنات الإقليميّة. وعلى الرغم من أنّ الحكومة اللبنانيّة كانت أمام فرصة تاريخيّة لاستعادة سلطتها، فقد أخفقت في الاستفادة من خروج المنظّمة؛ إذ لم تتمكّن من بسط سيطرتها على كامل الأراضي، ولم تنجح في إنهاء الحرب الأهليّة، ولا في إعادة فرض سلطتها في جنوب البلاد.

في هذا السّياق، دخل حرس الثّورة الإسلاميّة الإيرانيّ إلى سهل البقاع، حيث أشرف على تدريب قوّة جديدة، وتشكيلها: حزب الله. وعلى الرغم من تقديمه كحركة مقاومة، أصبح الحزب بسرعة لاعبًا سياسيًّا وعسكريًّا رئيسيًّا، موسّعًا النّفوذ الإيرانيّ حتّى حدود إسرائيل.

2000: الانسحاب الإسرائيليّ والفرصة الضّائعة

في أيّار 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وفق القرار 425، وكان من الممكن أن تمثّل هذه الخطوة عودة الدولة اللبنانيّة، إلّا أنّ الفرصة ضاعت. تحت هيمنة النّظام البعثيّ السوريّ، خضع الحكم اللبنانيّ لتأثير دمشق، متخلّيًا عن نشر الجيش الوطنيّ في الجنوب، ما أتاح لسوريا الاستمرار في استخدام المنطقة كأداة استراتيجيّة، مع تجنّب فتح جبهة الجولان.

ومنذ ذلك الحين، تبنّى الحكم اللبنانيّ منطق المقاومة، مستندًا إلى قضيّة تحرير مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، المحتلّتيْن في خلال حرب 1967 بين إسرائيل، وسوريا، ومصر، والأردنّ، والعراق، علمًا أنّ لبنان لم يُشكّل طرفًا فيها. أمّا تبعيّة هاتيْن المنطقتيْن للبنان، فتثير جدلًا واسعًا حتّى اليوم. رسّخ هذا القرار وضع يد حزب الله العسكريّة على جنوب لبنان، تحت سيطرة إيرانيّة، مؤكّدًا غياب سيادة الدولة اللبنانيّة الفعليّة.

2006: حرب مدمّرة وقرار مهمَل

عام 2006، أسر حزب الله جنودًا إسرائيليّين على الحدود، ما أشعل حرب لبنان 2006، الّتي خلّفت دمارًا هائلاً، وخسائر بشريّة فادحة. في أعقابها، دعا قرار مجلس الأمن 1701 إلى نزع سلاح حزب الله، ونشر الجيش اللبنانيّ في الجنوب، بدعم من قوّات الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل). مع ذلك، بقيت هذه التّدابير غير مطبّقة إلى حدٍّ كبيرٍ؛ فحزب الله احتفظ بترسانته، ووسّع نطاق عمله بالمشاركة في الحرب السوريّة، إلى جانب نظام بشّار الأسد.

سيادة بعيدة المنال حتّى اليوم

يمثّل جنوب لبنان اليوم مسرحًا لأزمة وجوديّة تتعلّق بسيادة الدولة. فوجود التّرسانات العسكريّة الكثيف والمتناثر، يكشف مرّةً أخرى عجز الحكومة اللبنانيّة عن فرض سلطتها في المنطقة، ما يعرّض البلاد لعواقب قد تكون غير قابلةٍ للإصلاح.

كما أنّ خطاب “المقاومة” لم يعد يصدّقه سوى من أراد ذلك. الواقع لا يرحم: احتلّ الفلسطينيّون هذه الأرض أوّلًا، أو استغلّوها، ثمّ احتلّتها إيران بواسطة حزب الله، واستغلّتها. بالتّالي، يشكّل الحديث عن “احتلال أرض حرّة” تحت شعار المقاومة، ومقارنة الحكومة الحاليّة بحكومة فيشي، خداعًا صارخًا؛ فورثة الفيشيّين الحقيقيّين، تاريخيًّا وسلوكيًّا، هم حزب الله وحلفاؤه، المتّهمين بالضّلوع في ما آلت إليه الأمور اليوم، واغتيال قادة سياسيّين وفكريّين، وإرساء مناخ من الخوف بين اللبنانيّين، والاستمرار في الحفاظ عليه.

نافذة تاريخيّة لاستعادة السّيطرة

يقف لبنان اليوم عند مفترق حرج. وللمرّة الأولى منذ زمن، تسنح أمامه فرصة حقيقيّة، وإن كانت هشّة كثيرًا، لاستعادة السّيطرة على مصيره. أصبح اليوم نشر الجيش اللبنانيّ في الجنوب ضرورةً ملحّةً، وليس خيارًا؛ ويتعيّن أن يصاحبه التزام جادّ بالمفاوضات الدوليّة، من دون شروط غير واقعيّة، يفتقر لبنان إلى القدرة على فرضها.

تتطلّب إعادة السّيادة أن تنفّذ الحكومة قرارها: الإقرار بعدم قانونيّة ميليشيا حزب الله، ومنع وجودها على الأراضي اللبنانيّة بشكلّ كامل. وإلّا، ستبقى الدولة مشلولة، وقد تصبح استمراريّتها حتّى على المحكّ.

من وهم المقاومة إلى ممارسة السّيادة

وجود لبنان مهدّد اليوم، إذ تعتمد شرعيّته، سواء أمام المجتمع الدوليّ، أو أمام مواطنيه، على قدرته على ممارسة سلطته بشكل كامل. أمام هذا التحدّي الوجوديّ، ما من خيار سوى تحمّل المسؤوليّة السياديّة بلا تحفّظ، واستعادة احتكار القوّة الشرعيّة، ووضع حدٍّ لعقود من الغموض والمساومات. تاريخ جنوب لبنان ليس مجرّد قصّة أرض متنازع عليها، بل قصّة دولة، غالبًا ما تنازلت عن كيانها وعن سيادتها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us