من اللّيطاني حتّى الزّهراني.. الحرب تتوسّع

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
دعا المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، صباح يوم الثّلاثاء، وللمرّة الثّانية منذ بدء التّصعيد، سكّان المناطق الواقعة جنوب نهر الزّهراني إلى التوجّه نحو الشّمال. فحتّى الآن، اقتصرت العمليّات بشكل أساسيّ على المنطقة الواقعة جنوب اللّيطاني، لكنّ الضّغط العسكريّ يمتدّ اليوم إلى مناطق أخرى.
يُعيد هذا التحّول في الخطاب العسكريّ رسم خريطة النّزاع، ويَظهر بوضوح فضاءان رئيسيّان: الأوّل مباشر، يمتدّ بين الحدود ونهر اللّيطاني؛ والثّاني أعمق، بين اللّيطاني والزّهراني. منطقتان واضحتان، ومستويان مختلفان من التعرّض العسكريّ، لكنّ الديناميّة واحدة: دفع السكّان نحو الشمال.
من الحدود إلى اللّيطاني: شريط تحت ضغط عسكريّ مباشر
في جنوب اللّيطاني، الحرب قائمة. تمتدّ المنطقة على نحو 1,100 كيلومتر مربّع، وتشمل 162 قرية موزّعة بين أربعة أقضية: صور، وبنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيا. ضمّت المنطقة قبل موجات النّزوح الكبرى نحو 500,000 نسمة، وفق تقديرات مستندة إلى سجلّات النّاخبين، يوضح الجنرال خليل الجميّل، قائد قطاع اللّيطاني الجنوبيّ السّابق، في حديث لـ “Ici Beyrouth”. ويختلف عمق الشّريط بشكل كبير: خمسة كيلومترات في بعض المناطق الشرقيّة، وحتّى ثلاثين كيلومترًا في المناطق الغربيّة، ما يفسّر تشظّي الجبهة وتعدّد نقاط الاشتباك.
على الأرض، لا يتواجد الجيش الإسرائيلي على طول هذا الشريط بأكمله، لكنّه توغّل في بعض المواقع. ويؤكّد الجميّل: “لم يتقدّم الإسرائيليّون أكثر من مسافة خمسة إلى ستّة كيلومترات في الأراضي اللبنانيّة”. وتشكّل أطراف الطيْبة أبرز نقاط هذا التقدّم.
ويعتبر مصدر أمنيّ، تحدث لـ Ici Beyrouth، أنّ محاور التقدّم الإسرائيلي معروفة، وتقليديّة إلى حدّ كبير: يشكّل السّاحل أوّلًا، باتّجاه صور وجسر القاسميّة، نقطة عبور استراتيجيّة نحو اللّيطاني؛ وثانيًا، تسمح المرتفعات المركزيّة حول بنت جبيل، ومارون الرّاس، بالتحكّم التكتيكيّ في الوديان؛ وثالثًا، يتيح المحور الشرقيّ، من مرجعيون إلى الخيام، النّزول باتّجاه النّهر.
في مواجهة هذا التقدّم، تستمرّ عمليّات حزب الله، غير أنّها لا تتّخذ شكل جبهة متواصلة، إنّما تظهر في تحرّكات محدّدة، وموضعيّة، تتكيّف مع طبيعة الأرض: مواجهات قريبة مباشرة، وكمائن، وضربات مركّزة. وتبقى المنطقة، وإن فرغت جزئيًّا من سكّانها، مسرحًا للصّراع.
من اللّيطاني إلى الزّهراني: عمق استراتيجيّ تحت الضّغط
تتغيّر طبيعة الوضع شمال اللّيطاني، إذ ندخل منطقة أكثر كثافة، وأكثر تنظيمًا، تضمّ بشكل خاص قضاء صيدا-الزّهراني التّابع لمحافظة الجنوب.
“يقطن المنطقة بين 150,000 و180,000 نسمة”، يوضح الجميّل في حديثه لـ Ici Beyrouth، وحتّى الآن، لم تُستهدف هذه المساحة سوى مرّة واحدة بأوامر إخلاء عامة.
لا يعني التّحذير الإسرائيلي تقدّمًا بريًّا وشيكًا. “ليس مؤشرًا على تقدّم عسكريّ، بل هدفه التسبّب بموجات نزوح أكبر”، يؤكّد الجميّل. أي أنّ الهدف الحاليّ ليس السّيطرة بل إفراغ المناطق.
الظّاهرة بدأت فعلًا: ينتقل سكّان جنوب اللّيطاني نحو الشّمال، غالبًا إلى مناطق مألوفة، لا سيّما في الزّهراني، ما يشكّل ضغطًا متزايدًا على البنى التحتيّة المحليّة، وعلى مناطق لم تُصمّم لاستيعاب هذا التدفّق الهائل.
من النّاحية العسكريّة، سيتبع أي تقدّم نحو الزّهراني محاور منطقيّة. يبقى السّاحل الممرّ الرّئيس، مع نقطة محوريّة هي جسر الزراريّة الّذي يربط مباشرة جنوب اللّيطاني بهذه المنطقة.
هذا بالإضافة إلى الطّرق الداخليّة عبر النبطيّة، والمحاور الشرقيّة الممتدة من مرجعيون. مع ذلك، تبقى المسافات كبيرة؛ فالعمق الاستراتيجيّ كبير بين النّاقورة ونهر الزّهراني. “يبقى الزّهراني بعيد المنال”، يؤكّد مصدرنا، مستبعدًا فكرة أي تقدّم سريع على المدى القصير.
في هذه المنطقة، يحتفظ حزب الله بوجود غير ظاهر للعيان. إذ يعقّد انتشار عميق، وأقلّ عرضة، وأكثر تشتّتًا، أي محاولة لتحرّك عسكريّ.
يتجاوز ما يحدث اليوم حدود خطّ الجبهة. فالحرب لا تُقاس بالكيلومترات فحسب، بل بحركة السكّان؛ من الجنوب نحو اللّيطاني، ومن اللّيطاني نحو الزّهراني. يبدو الهدف مزدوجًا: تفريغ منطقة جنوب اللّيطاني، وممارسة ضغط ديموغرافيّ شمالًا على أراضٍ هشّة أصلًا، وإرهاق قدرات الاستيعاب المحليّة، وزعزعة التّوازن الاقليميّ.
ميدانيًّا، تبقى الجبهة العسكريّة محدودة. أمّا الجبهة الانسانيّة، فقد بدأت تشهد تحرّكًا نحو الشّمال.
وربّما تتشكّل هنا، في هذا السّكون، أعمق التحوّلات في الجنوب.




