لبنان: حين تتلاشى الأساطير!

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
تحوّل التّدهور الأمنيّ المتواصل إلى حربٍ تضرب مرتكزات الدولة اللبنانيّة في الصّميم. ولم يعد من مظاهر السّيادة ما يُعتدّ به: لا حدود، ولا جيش وطنيّ، ولا حكومة، ولا مؤسّسات، ولا اقتصاد؛ إذ عصفت الهزّة الزلزاليّة بكلّ شيء. فهل كان هذا المآل متوقّعًا، أم أنّنا أمام منعطفٍ كان يمكن تفاديه؟ الجواب، مع ذلك، هو النفيّ: فهذا الانحدار إلى الهاوية مُعَدّ بإحكام، ومغروس في صلب سياسة التّقويض الّتي يعتمدها حزب الله ومَن يقفون خلفه.
عقب سحق المنصّات العملياتيّة الّتي أنشأها سليماني، لم يبقَ سوى سيناريوهات الفوضى الشّاملة، وإعادة إحياء شبكات الإرهاب، واللّجوء إلى استراتيجيّة الحرب الخاطفة الّتي سعت إيران إلى فرضها في مجالها الجيوسياسيّ. وهذه المحاولة الأخيرة لكسر الطّوق المُحكِم حول النّظام الإيرانيّ من كلّ الجهات ماضية في التّلاشي، بصرف النّظر عن الأوهام الإيديولوجيّة، وخطابات التّبشير بسلامٍ زائف.
نواجه، في هذَيْن السياقَيْن المترابطَيْن، استنزافًا عميقًا للسرديّات، واستراتيجيّات الالتفاف، والموارد الّتي كان يُفترض أن تُغذّي آلة حربٍ تتداعى من الدّاخل. ولم يعد سيناريوهات الحرب المفتوحة بلا أفق، أو عودة الإرهاب الإسلاميّ بزخم سابق، ذات صلة في هذه المرحلة. بل بات استكمال العمل العسكريّ، عبر استهداف البنى السياسيّة والأمنيّة، ضروريًا لوضع حدّ لديناميّة التّقويض، ودفعها نحو مسار الاضمحلال التدريجيّ. وهي، في جوهرها، استراتيجيّة متكاملة على المستويَيْن الجيوستراتيجيّ والجيوسياسيّ، ترمي إلى إعادة تشكيل المعادلة، وأدوات الفعل السياسيّ والاستراتيجيّ، وديناميّات السّياسة الإقليميّة والدوليّة.
مأساة لبنان هي مأساة بلد رهينة، تُخفي واجهاته المُؤسسيّة المُضلّلة حقيقة سلطة موازية، تُمسك فعليًّا بزمام القرار، وتتعامل مع المؤسّسات السياسيّة بوصفها مجرّد هياكل صُوريّة، تُستخدم ستارًا لسياسة الهيمنة الشيعيّة. فالحياة السياسيّة المُؤسسيّة ليست سوى وهم متعدّد الطّبقات، تُسخّره هذه السّياسة عند تقاطع استراتيجيّة تقويض مزدوجة. أمّا ما يُسمّى بنظام الطّائف، فقد شكّل غطاء لسياسة التّعطيل المؤسسيّ، وتكريس نظام الوصايات المتعاقبة، وتحويل الأراضي اللبنانيّة إلى ساحات عمليّات، تُدار وفق سياسات ظرفيّة اعتباطيّة، تخضع لمصالح ضيّقة.
تمّ التّلاعب بآليّات التّداول في الأنظمة الديمقراطيّة بهدف الحفاظ على مراكز السّيطرة، وترسيخ ديناميّات هيمنة خفيّة. واختيرت الائتلافات الأوليغارشيّة المتعاقبة بعناية، وأُديرت تحت سلطة رئيس مجلس النوّاب التقديريّة على مدى أكثر من ثلاثة عقود. ومن هذا الموقع اللّادستوريّ، الّذي يقوّض مبدأ فصل السّلطات، ويكرّس واقع سلطة مافيويّة، نشأت سياسة هيمنة تتقدّم تحت أقنعة دولة القانون.
وقد وجدت سياسة التّقويض الإيرانيّة في الدولة اللبنانيّة البيئة المثاليّة لإنجاح مشروعها التخريبيّ. فالتحق حزب الله باللّعبة الديمقراطيّة الزّائفة في اللّحظة الّتي أصبح فيها قادرًا على العبث بالحياة المُؤسسيّة بلا قيود. وفي هذا الحقل المُؤسسيّ المُفرغ من مضمونه، أدار الحزب استراتيجيّته. وقد جرى التحكّم بالمواعيد الانتخابيّة على مختلف مستويات الحياة المؤسسيّة، بالتّوازي مع سلطات الوصاية المتعاقبة لكلّ من سوريا وإيران. فتمّ اختراق الإدارة على جميع المستويات، وتسييس القضاء، والتّغلغل في المؤسّسة العسكريّة. وفي المُحصّلة، لم تشكّل هذه البنية المؤسسيّة سوى قناة تمرير لانقلاب يتقدّم بطريقة زاحفة وخفيّة.
وكشفت المواجهة الإسرائيلية المضادّة عن واقع بلدٍ بلغ مرحلة متقدّمة من التفكّك، بعدما جُرفت حتّى بنية سياسة التّقويض الممتدّة العميقة. ليس عجز الدولة اللبنانيّة البنيويّ بصدفة، بل هو حصيلة تآكل، تراكم على مدى سبعة عقود من أزمة شرعيّة غذّتها سياسات القوّة المتعاقبة في المسار السياسيّ المضطّرب لجمهوريّة هشّة. وقد أفضى انهيار القوميّة العربيّة الإيديولوجيّ، والقضيّة الفلسطينيّة، والإسلامويّة اليساريّة، وسياقات الحروب الباردة، إلى خلق شروط عدم استقرار بنيويّ ومزمن. ويأتي الطّور الإيرانيّ ضمن هذه الجينيالوجيا المُتراكمة، ليختم مسار بلدٍ استُنزفت قواه بالكامل.
فقدت السّلطة القائمة، المواجهة بالتحوّلات الجارية، كلّ مصداقيّتها بسبب هشاشتها البنيويّة، ووقائع هيمنة شيعيّة صريحة، فضلًا عن التّناقضات الإيديولوجيّة والعملياتيّة لحكومة متباينة المكوّنات. ويشمل هذا الفقدان أيضًا درجة استغلال بلدٍ يُستخدم كحلقة وصل لسياسات متقاطعة للتّقويض.
يُثير حجم التحدّيات الاستراتيجيّة المطروحة تساؤلات حول جدوى الجغرافيا السياسيّة الوطنيّة اللبنانيّة، وشرعيّة السّلطة القائمة. كما يبرز عجزها عن إدارة تحدّيات استراتيجيّة وسياديّة كبرى، وتواطؤها الطوعيّ أو غير الطوعيّ مع المكوّنَيْن المافيويّ والإرهابيّ في سياسة الهيمنة الشيعيّة.
ومهّد فشل السّلطة في الوفاء بالتزاماتها ضمن اتفاقيّة الهدنة في الرّابع عشر من تشرين الثاني 2024، إلى جانب الممارسات الشكليّة والخداع الرسميّ، الطّريق أمام الصّراعات الجارية. وقد أتاح ذلك إعادة تسليح حزب الله، وتمويل سياسته التخريبيّة، والعودة إلى حالةٍ من انعدام الجاذبيّة، في دولةٍ تعيش في تعويم كامل. ثُمّ استعادت السّلطة زمام المبادرة بعد 15 شهرًا لتطالب بمفاوضات مع دولة إسرائيل، في وقتٍ تتنصّل منذ الآن من أي التزام مبدئيّ في هذا الشّأن.
تُفقد هذه الالتباسات المُخالفة للقانون السلطة القائمة مصداقيّتها، وتضعنا أمام خيارات يستحيل على طبقة سياسيّة متناقضة الوفاء بها. ويُشبه بروتوكول التّفاوض الّذي اقترحه رئيس الجمهوريّة اتفاقيّة الهدنة المخروقة مسبقًا. وبغياب أي التزام رسميّ بدعم اتّفاق سلام بين دولتَيْ إسرائيل ولبنان، يُعاود لبنان مرّة أخرى السّير في مسار الحروب المؤجَّلة، الّتي دمّرته على مدى سبعين عامًا.
ويفرض الوضع شكًّا منهجيًّا وسياسيًّا، قائمًا على عجز الدولة اللبنانيّة عن الوفاء بالتزاماتها، ومخاطر حرب أهليّة كامنة، وضرورة القضاء على حزب الله. ويرتكز أيضًا على حتميّة تحكيم دوليّ يساعد البلاد على التفرّغ لمهام إعادة بناء شاقّة.
مواضيع ذات صلة :
ارتفاع حصيلة الضحايا منذ بدء الحرب | الجيش الإسرائيلي: الصواريخ الإيرانية تسقط في لبنان! | كاتس: سنوسع المساحة العازلة مع لبنان |




