وفيق صفا يلوّح بالمفاجآت… ويفرض كلمته

ترجمة هنا لبنان 24 آذار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

تحدّث وفيق صفا يوم الأحد بثقة من يظنّ نفسه فوق القواعد: فـ”حزب الله” مستعدّ لحرب طويلة، وقد “سدّ ثغراته” الأمنيّة، ويحضّر “مفاجآت”، في مقدّمتها الطّائرات المسيّرة الانتحاريّة. لا يتعلّق الأمر هنا بتقدير عسكريّ فحسب، بل باعتراف صريح، وببرودة لافتة، بأنّ التّنظيم يواصل جرّ لبنان إلى حرب ليست حربه، حرب يدفع اللبنانيّون ثمنها.

ها هو المسؤول السّابق عن وحدة الارتباط والتّنسيق في حزب الله يتجاوز عتبة جديدة. فمن خلال تهديده العلنيّ للدولة، كرّس صفا واقعًا بات بديهيًّا: لا تفرض مؤسّسات الدولة اللبنانيّة قواعدها على “حزب الله”، بل العكس صحيح. وقال إنّ “الميليشيا تعتزم إرغام الحكومة على التّراجع عن قرارها بحظر أنشطتها العسكريّة”، قبل أن يضيف، بلا تردّد: “سنتصدّى لهذه القرارات بأي وسيلة”.

بمعنى آخر: تفرض الميليشيا قواعدها، والدولة اللبنانيّة أمام خياريْن: الامتثال… أو المواجهة.

خطاب حربيّ لإخفاء انتكاسات واضحة

بحسب تصريحات صفا، يبدو أنّ حزب الله قد تجاوز ثغراته، وعزّز قدراته، وبات مستعدًّا لمفاجأة خصمه الاسرائيليّ. إلّا أنّ الواقع الميدانيّ أكثر وضوحًا، ويتعارض مع المؤشّرات المسجّلة على الأرض. ففي الأشهر الأخيرة، استهدفت سلسلة من الضّربات الاسرائيليّة الدّقيقة، بشكل غير مسبوق، كوادر الحزب وبناه التحتيّة الحيويّة، وسلاسله اللوجستيّة. وبلغة عسكريّة، يعكس ذلك تراجعًا في منظومات الحماية: اختراقات، واتّصالات مكشوفة، وسلاسل قيادة هشّة.

في هذا السّياق، يبدو الحديث عن “تصحيح الثّغرات” أقرب إلى خطاب لإدارة الأزمة منه إلى تقييم عملياتيّ قابل للتحقّق. أمّا التّرويج للطّائرات المسيّرة “الانتحاريّة”، و”المفاجآت” الميدانيّة، فيعكس تكيّفًا قسريًّا، عبر وسائل منخفضة الكلفة، لتعويض فجوة تكنولوجيّة، أكثر ممّا يدلّ على استعادة تفوّق ميدانيّ.

تحدّي الدولة واستغلال انقساماتها

ومن أبرز ما ورد في تصريحات صفا تأكيده إنّ حزب الله سيفرض إرادته على الحكومة، ويجبرها على التّراجع عن قرارها الصّادر في الثّاني من آذار، والقاضي بحظر أنشطته العسكريّة والأمنيّة. ولا يبدو هذا الموقف وليد اللّحظة، بل يندرج ضمن منطق ثابت، يقوم على تغليب القوّة العسكريّة على القرار السياسيّ.

في أدبيّات العلاقات الدوليّة، يندرج هذا السّلوك ضمن ما يُعرف بـ”الاستحواذ على الدولة” من قبل فاعل مسلّح لا يمتّ إلى الدولة بصلة. والرّسالة واضحة: لا ترسم مؤسّسات الدولة اللبنانيّة قواعد اللّعبة بالنسبة إليه، وإلى الميليشيا الّتي يمثّلها، بل يُفترض أن تنصاع الدولة لإرادته، أو تتراجع أمام ميزان قوّة يسعى إلى فرضه بالوسائل كافّة.

الشّارع كأداة للضّغط

يؤكّد صفا، من جهة أخرى، إنّ حزب الله لن يعمد إلى إسقاط الحكومة عبر الشّارع “في الوقت الرّاهن”، مشيرًا إلى “أجندة مختلفة” لما بعد الحرب، قد تشمل اللّجوء إلى التّعبئة الشعبيّة.

ويمنح تاريخ لبنان الحديث هذا التّصريح دلالة خاصة. فقد سبق أن أثبت حزب الله قدرته على فرض ميزان قوى عبر الشّارع، لا سيّما في خلال أحداث عام 2008، حين سيطر مقاتلوه على مساحات واسعة من بيروت، دافعين البلاد إلى حافة مواجهة أهليّة. وكان ذلك في أيّار 2008، عندما اندلعت اشتباكات مسلّحة واسعة بعد قرار حكوميّ قضى بإقالة مدير أمن مطار بيروت الدوليّ، وأمرَ بتفكيك شبكة الاتّصالات الخاصّة بالميليشيا.

في هذا السّياق، تبدو الإشارة إلى استخدام محتمل للشّارع، بحسب تصريحات صفا، أقرب إلى تهديد مبطّن منها إلى مجرّد فرضيّة. غير أنّ هذا الشّارع لم يعد اليوم مضمون الولاء كما كان سابقًا: فجزء من قاعدة حزب الله الشعبيّة، المنهكة من الحرب، والمُهجّرة، والمُفقّرة، والمهمّشة، بدأ يدفع ثمن خياراته، ويعبّر بشكل متزايد عن اعتراضه على كلفتها ومعناها.

ولتعزيز خطابه، يشير صفا إلى تباينات مفترضة بين رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، ورئيس الحكومة نوّاف سلام. وهي مقاربة كلاسيكيّة تقوم على مبدأ “فرّق تسُد”، إذ يسعى إلى تضخيم أي تصدّعات مؤسسيّة، أو استغلالها، لترسيخ ميزان قوى مختلّ أصلًا، على حساب استقرار البلاد.

غير أنّ هذا الطّرح يصطدم بالوقائع. فصباح الاثنين، وبعد لقائه رئيس الجمهوريّة في قصر بعبدا، أكّد رئيس الحكومة نوّاف سلام إنّه “على تواصل يوميّ مع رئيس الجمهوريّة”، مشدّدًا على تعاونهما لوضع حدّ للحرب في أسرع وقت ممكن.

وفي السّياق عينه، عُقد اجتماع آخر جمع عون برئيس البرلمان نبيه برّي، الّذي صرّح بعد اللّقاء بأنّ “حضور رئيس الجمهوريّة يبعث على الاطمئنان.”

عودة رجل الظلّ في توقيت حسّاس

تكتسب تدخّلات وفيق صفا الأخيرة أهميّة خاصة، إذ تمثّل عودة شخصيّة كادت أن تختفي عن المشهد. فقد أثارت استقالته في شباط الماضي، الّتي لم تُوضح أسبابها، تكهّنات حول تراجعه، أو تهميشه في حزب الله.

ليس من المبالغة القول إنّ صفا ليس إطارًا ثانويًّا؛ فقد تولّى لسنوات الملفّات الأمنيّة الأكثر حساسية، وكان أحد مهندسي الجهاز الداخليّ في التّشكيل الموالي لإيران. وتزامن صمته في الأشهر الماضية مع مرحلة من ضعف الحزب، وتعاظم هشاشته الأمنيّة.

وقد استهدفته ضربات إسرائيليّة متعدّدة من دون أن تتمكّن منه، ما عزّز من هالته، من دون أن يعكس بالضّرورة مدى تأثيره الفعليّ في أثناء غيابه عن المشهد الاعلاميّ.

أمّا عودته اليوم فليست بحدث عاديّ؛ إذ غالبًا ما يُعاد تفعيل الشخصيّات الأمنيّة في التّنظيمات المسلّحة، عندما تضعف اللّحمة الداخليّة، وتزداد حاجة التّنظيم إلى السّيطرة والتحكّم.

تحالفات متصدّعة واعتماد متبادل

يكشف حديث صفا جانبًا آخر يتعلّق بالتّحالفات، وتحديدًا الطّريقة الّتي يتحدّث فيها عن شركائه. فالإشارة إلى من “خانوا أو أخطأوا في حساباتهم” تشكّل اعترافًا صريحًا بالانفصال السياسيّ عن التيّار الوطنيّ الحرّ.

في الوقت عينه، يجدّد صفا ولاءه الكامل لحليفه، رئيس حركة “أمل” ورئيس البرلمان نبيه برّي. ويؤكّد هذا التّصريح حقيقة سياسيّة ثابتة، وهي أنّ حزب الله، رغم خطاب القوّة والاستقلاليّة، يبقى مرتبطًا بتوازنات داخليّة لا يملك السّيطرة الكاملة عليها. ويأتي تمركزه حول النّواة الصّلبة في سياق، تقلّصت فيه هامشيّات تحرّكه، سواء على المستوى العسكريّ أو السياسيّ.

في النّهاية، لا تشبه تصريحات صفا “استعراض قوّة” بقدر ما هي محاولة لاستعادة السّيطرة. فالتوعّد بـ”المفاجآت”، والنّبرة الحربيّة، يخفيان تنظيمًا يرزح تحت الضّغط؛ تنظيماً، يختار مرّة أخرى وفق منطق عمله مواجهة هشاشته بالتّصعيد اللفظيّ، ومحاولة فرض نفوذه على الدولة.

وإذا كان ثمّة مفاجأة، فقد تكمن أقلّ في قدراته العسكريّة، وأكثر في اتّساع الفجوة بين خطاب حزب الله، والواقع.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us