التّصريحات والنّفي: ما جديد المفاوضات مع إيران؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
المفاوضات جارية، والمفاوضات ليست جارية… والمفاوضات على الطّريق الصّحيح، ومصيرها الفشل… تتأرجح الأنباء، منذ الاثنين، حول احتمال إجراء محادثات بين الولايات المتّحدة وإيران، بين تصريحات متناقضة وضبابيّة معلوماتيّة، إلى الحدّ الّذي يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل من مسعى دبلوماسيّ فعلًا، أم نحن في حضرة مشهد استراتيجيّ؟ وإن كان ثمّة مفاوضات، هل ستثمر؟
مفاوضات سريّة في ظلّ حرب مستمرّة
بدأت الأحداث الإثنين بتصريح للرّئيس الأميركيّ، دونالد ترامب، أكّد فيه أنّ ثمّة محادثات “مثمرة” مع إيران، وأشار إلى احتمال تهدئة قد تبرّر تأجيل أي ضربة أميركيّة تستهدف البنى التحتيّة للطّاقة الإيرانيّة، لمدّة خمسة أيام.
في المقابل، نفت طهران ذلك بشدّة، حيث وصف رئيس البرلمان، محمّد باقر قاليباف، هذه التّصريحات بـ”الأكاذيب”، متّهمًا واشنطن بمحاولة التّلاعب بالأسواق.
مع ذلك، يرى الجنرال فرانسوا شوفانسي، خبير الاستراتيجيّة والدّفاع، والمستشار السابق في الناتو، ورئيس تحرير مجلّة الدّفاع التّابعة للمعهد الفرنسيّ للدّراسات العليا في الدّفاع الوطنيّ (IHEDN)، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth” أنّ انعقاد هذه المفاوضات حتميّ.
ويؤكّد شوفانسي أنّ “المحادثات موجودة حتّى في أوج القتال”، مستندًا في ذلك إلى السّوابق التاريخيّة، لا سيّما في الحرب العالميّة الأولى. وبالنسبة إليه، تكون هذه المحادثات غير مباشرة، وسريّة، ومجزّأة، بعيدًا عن أي صياغة رسميّة علنيّة.
تتواصل واشنطن وطهران منذ سنوات، ومنذ 2025 تحديدًا، عبر قنوات وسيطة مثل سلطنة عُمان، أو تركيا، أو حتّى باكستان، بسبب غياب العلاقات الدبلوماسيّة المباشرة. وتشير معلومات حديثة إلى احتمال وجود اتّصالات في إسلام آباد، من دون تأكيد رسميّ على هذا المستوى.
على الرغم من ذلك، وبغضّ النّظر عن انعقادها، تبقى مسألة أخرى أساسيّة: ما القضايا الّتي قد تشكّل جوهر هذه المفاوضات؟ يوضح شوفانسي: “يكمن الرّهان الحقيقيّ في العثور على مخرج، يضمن الحفاظ على ماء الوجه لدى طرفيْ النّزاع”، وهي قاعدة ثابتة في دبلوماسيّة الحرب، يسعى فيها كل طرف إلى إظهار شكل من أشكال الانتصار، ولو كان نسبيًّا.
أهداف لا يمكن التّوفيق بينها؟
يمكن تفسير هذه الصّعوبة أوّلًا من خلال التّباين العميق في الأهداف الاستراتيجيّة، كما يوضح شوفانسي.
فالهدف واضح من الجانب الاسرائيليّ: منع إيران من تشكيل تهديد بشكل دائم، عن طريق إضعاف قدراتها العسكريّة وشبكاتها الاقليميّة، لا سيّما “أذرعها” النّاشطة في لبنان، والعراق، واليمن.
أمّا بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، فالخط متّسم بضبابيّة إضافيّة. يبدو أنّ إدارة ترامب تسعى بالدّرجة الأولى إلى الحصول على تنازلات بشأن البرنامج النوويّ الإيرانيّ، سواء عبر الحدّ من تخصيب اليورانيوم، أو القضاء على المخزونات الحاليّة، الّتي يقدّرها بعض الخبراء بمئات الكيلوغرامات. لكنّ غموضًا يلفّ حالة هذه القدرات الحقيقيّة بعد الاستهدافات الأخيرة.
تُضاف إلى ذلك، قيود سياسيّة داخليّة كبرى. يشدّد شوفانسي على ضرورة “ظهور دونالد ترامب كالمنتصر”، مشيرًا إلى أهميّة الرّأي العام الأميركيّ، الّذي يعارض، إلى حدّ كبير، أي حرب في الشّرق الأوسط، وحساسية مسألة الطّاقة بالنسبة إلى ناخبيه.
في المقابل، تتّخذ إيران موقف المقاومة. إذ يسعى النّظام، بدعم من الحرس الثوريّ، إلى تفادي أي استسلام، والحفاظ على مكانته كقوّة إقليميّة. ويشير الجنرال في تحليله: “نحن أمام أطراف متشبّثين بمنطق عزم مطلق، لا بل غارقين في عقيدة الاستشهاد”. في هذا السّياق، تبدو أي تنازلات كبرى محفوفة بالمخاطر السياسيّة بالنسبة إلى طهران.
الأسواق الاقتصاديّة وحرب التصوّر
تجسّدت هذه التوتّرات بين الخطاب الدبلوماسيّ والواقع العسكريّ في السّاعات الأخيرة. فبينما أعلن ترامب عزمه تعليق أي ضربات على البنى التحتيّة الإيرانيّة لمدة خمسة أيام، استهدف هجوم ليليّ منشأةً مرتبطةً بهذا القطاع في إيران.
ووفق المعلومات المتاحة، تنفي واشنطن أي تورّط مباشر لها، وتنسب العمليّة إلى إسرائيل، وهي فرضيّة اعتبرها شوفانسي موثوقة: “لا مصلحة للإسرائيليّين في وقف الحرب سريعًا، ولا يتردّدون في استهداف المصالح الإيرانيّة، بما في ذلك قطاع الطّاقة”.
يسلّط هذا الحادث الضّوء على تزايد استقلاليّة إسرائيل الاستراتيجيّة بقيادة بنيامين نتنياهو، على الرغم من أنّ هذه الاستقلاليّة تعتمد دائمًا على الدّعم العسكريّ الأميركيّ، لا سيّما في مجال المعدّات،والدّفاع الصاروخيّ.
في موازاة ذلك، أثّرت تصريحات ترامب مباشرة في الأسواق، إذ هبطت أسعار النّفط، وتوقّع المستثمرون التّهدئة. وتتّهم طهران واشنطن علنًا بمحاولة التّلاعب، وعلى الرغم من غياب أي دليل رسميّ، تبقى المسألة مطروحة، خصوصًا بعد إضافة عنصر مقلق إلى هذه التّسلسل.
وفق صحيفة “Financial Times”، سُجّلت أحجام تداول غير معتادة قبل دقائق من نشر رسالة الرّئيس الأميركيّ الّتي تناول فيها “المباحثات المثمرة” مع إيران. إذ جرى التّداول، في خلال فترة وجيزة، في نحو 6,200 عقد آجل على خام برنت، وخام غرب تكساس الوسيط، وهو واحد من أبرز مرجعيْن عالميّيْن لأسعار النّفط الخام، ويُستخدم بقيمة تقدّر بنحو 580 مليون دولار في السّوق الأميركيّة.
وأشار التّوقيت، قبل الإعلان بنحو ربع ساعة، وفق الصّحيفة، إلى تساؤلات حول احتمال التوصل إلى المعلومات بشكل مسبق. وعلى الرغم من عدم ثبوت أي دلائل على تداول داخليّ حتّى اللّحظة، ومع نفي رسميّ لأي تلاعب، تبقى هذه الخطوة وقودًا يغذّي الشّكوك.
“مع ترامب، يحمل كل قرار بُعدًا اقتصاديًّا”، يوضح شوفانسي، مشيرًا إلى الضّغوط الداخليّة، لا سيّما مسألة خفض أسعار الوقود، وإلى احتمال ظهور تأثيرات مضاربيّة على مستوى الأسواق. “هل هذا متعمّد أم مجرّد استغلال للظّروف؟ يعجز أي كان عن تحديد ذلك بدقّة”، يضيف الجنرال.
في النّهاية، وعلى الرغم من التّصريحات المتناقضة، ثمّة حقيقة واحدة ثابتة: تتواصل الحرب. فالقنوات الحواريّة موجودة من دون أدنى شك، غير أنّها تتقدّم وفق إيقاع الضّربات، والحسابات السياسيّة، وتوازنات القوى، أكثر من كونها تعكس إرادةً حقيقيّةً للتّسوية. وفي هذه الرماديّة، حيث قد تتحوّل أي كلمة إلى مناورة، وكل صمت إلى استراتيجيّة، يبدو وكأنّ الدبلوماسيّة لا تسعى إلى السّلام بقدر ما تسعى إلى كسب الوقت. ويبقى السّؤال: لمَن؟ وبأي ثمن؟!
مواضيع ذات صلة :
بالأرقام… عدد الصواريخ الإيرانية تجاه إسرائيل منذ بدء الحرب | إيران: سيتم إستهداف كل طائرة أميركية تدخل ضمن مدى الأنظمة الصاروخية | ناقلة نفط تايلاندية تعبر مضيق هرمز |




