حرب “واتساب”: كيف ينسج “الحزب” واقعًا موازيًا؟

ترجمة هنا لبنان 1 نيسان, 2026

كتب Salam el Zaatari لـ”This is Beirut”:

في لبنان، لم تعد ساحة المعركة اليوم محصورة في الجنوب؛ بل امتدّت إلى تطبيق “واتساب”، حيث تنتشر المعلومات في مجموعات مغلقة ومشفّرة من دون أن تخضع لأي تدقيق، والأهم من ذلك، لأي مساءلة.
فعلى هذا التّطبيق بالذّات بنى حزب الله بهدوء واحدة من أكثر أدوات التّأثير فاعليّة، ليس عبر شاشات التّلفزيون حيث يمكن تفنيد الرّوايات، ولا على منّصات مثل X، أو فيسبوك، حيث تتقاطع وجهات النّظر.
لقد تحوّل واتساب إلى منظومة نفسيّة متكاملة. فالرّسائل تصل من دوائر الثّقة، كالعائلة، والأصدقاء، والنّاشطين السياسيّين، ما يضفي على كلّ محتوى مصداقيّة شبه تلقائيّة.
وعلى خلاف منصّات التّواصل الاجتماعيّ، لا يمتلك واتساب خوارزميّات للتّدقيق أو التحقّق من المعلومات. بدلًا من ذلك، تدور المعلومات المضلّلة في حلقات مغلقة، وتنتقل من مجموعة إلى أخرى، وتترسّخ مع كلّ “إعادة توجيه”. وعند وصول الرّسالة إلى مجموعتها العاشرة، لا تعود موضع تساؤل، بل تُستقبل كحقيقة.
وتُظهر الدّراسات حول شبكات المراسلة المغلقة أنّ المعلومات المضلّلة تنتشر فيها بوتيرة أسرع، ويزداد احتمال تصديقها بفعل بنيتها القائمة على الثّقة. في لبنان، جرى تسليح هذه الديناميّة إلى أقصى حدّ.
على مرّ السّنوات، طوّر حزب الله ما يصفه محلّلون بـ”جيش إلكترونيّ” لامركزيّ، وهي شبكة من الأفراد المكلّفين بإنتاج المحتوى، وتوزيعه، وتضخيمه. ولا يشكّل هؤلاء جميعًا أعضاء رسميّين، إذ أنّ الكثير منهم مناصرون أوفياء، خضعوا لتدريب مباشر أو غير مباشر كي يعملوا كامتداد رقميّ للتّنظيم.
أدواتهم بسيطة لكنّها فعّالة: تسجيلات صوتيّة تُقدَّم بوصفها معلومات من الدّاخل، ومقاطع فيديو موسومة بأنّها حصريّة، ولقطات شاشة تعود إلى تسريبات استخباراتيّة مزعومة، وتعليقات عاطفيّة مرافقة للأحداث العاجلة. وتعتمد استراتيجيّتهم على الإغراق لا التّعقيد؛ إذ يُضخّ المحتوى بسرعة عبر مجموعات واتساب، فيتلقّى المؤيّدون الرّواية عينها من مصادر مختلفة. ويصنع هذا التّكرار وهمًا بسيطًا لكنّه بالغ القوّة: إذا كان الجميع يردّدها، فلا بدّ أنّها صحيحة.
في قلب هذه المنظومة هدفٌ واحد: إحكام السّيطرة على السرديّة. فكل تطوّر، عسكريًّا كان أم سياسيًّا أم اقتصاديًّا، يُعاد تأطيره فورًا ليلائم رواية مُعدّة سلفًا. تُخفَّف الخسائر لتُسمّى “إعادة تموضع تكتيكيّة”، وتُصوَّر الخسائر المدنيّة كدليل على “وحشيّة العدوّ”، فيما تُقدَّم الانتكاسات الاستراتيجيّة كخطوات ضمن مسار طويل نحو نصر محتوم.
ليس هذا بجديد؛ فالدّعاية قامت دائمًا على التّكرار، والتّأطير العاطفيّ، وصناعة عدوّ واضح. لكنّ ما تغيّر هو سرعة الانتشار وحميميّة الوسيط. على واتساب، لا تبدو الدّعاية كدعاية، بل كحديث عابر بين معارف، وهنا يكمن التحوّل الحاسم.
ودخل مؤّخرًا عامل أشدّ خطورة إلى هذه المنظومة، وهو الذّكاء الاصطناعيّ.
فمقاطع الفيديو الّتي ينشئها الذّكاء الاصطناعيّ، والصّور المُعدَّلة، واللّقطات المُعاد تدويرها من نزاعات أخرى، يُعاد تقديمها وترويجها بشكل متزايد كأدلّة لحظيّة. وتتحوّل ضربة صاروخيّة في بلد ما إلى “برهان” على نصر في بلد آخر، أو يُعدَّل خطاب، أو يُفبرَك مشهد بالكامل. ويبلغ هذا التّشويه ذروته عند التّدقيق في كيفيّة عرض التطوّرات الميدانيّة الأخيرة.
على الأرض، يتقدّم الجيش الاسرائيليّ في جنوب لبنان بوتيرة بطيئة ومدروسة، معتمدًا على توغّلات محدودة، وقوّة ناريّة جويّة كثيفة بدلًا من اجتياح سريع. في المقابل، ينفّذ حزب الله هجمات موضعيّة تُلحق أضرارًا تكتيكيّة.
كثيرًا ما يُطعن في مثل هذا المحتوى على منصّات التّواصل الاجتماعيّ. أمّا على واتساب، فتُختزل الصّورة المعقّدة إلى رواية بسيطة عن انتصارات مستمرّة، ودبّابات مدمّرة، وقوّات إسرائيليّة منهارة. والنّتيجة هي انحسار الخطّ الفاصل بين الواقع والتّلفيق، حيث لم تعد الصّور توثّق الأحداث، بل تصنعها.
جرى تصميم آلة حزب الله الإعلامية لتشكيل العواطف عبر استهداف ثلاث حالات نفسيّة أساسيّة.
يشكّل الخوف أوّل حالة نفسيّة، إذ تركّز الرّسائل على التّهديدات الوجوديّة، والأعداء الخارجيّين، والخيانة الداخليّة، والخطر الدّاهم.
وتحتلّ الهويّة مكانة مهمّة أيضًا، حيث تعزّز الرّواية رؤية ثنائيّة للعالم: المقاومة تعني الكرامة، وحزب الله يعني الحماية.
ولا تقلّ عقليّة الحصار أهميّة، فالمناصرون مجبرون على الشّعور بأنّهم محاصرون، جنوبًا من إسرائيل، وشرقًا من سوريا، ومن الدّاخل، بشكل متزايد من لبنانيّين آخرين. ويرسّخ هذا ذهنيّة دفاعيّة تجعل حتّى الانتقادات تُعامَل كهجوم.
في مناخ مماثل، لم يعدِ الولاء مجرّد موقف سياسيّ، بل أصبح حالة نفسيّة. وبينما يتركّز الاهتمام عادة على الدّعاية الموجّهة إلى الخارج، تبقى وظيفة هذه الشبكات الأهمّ هي السّيطرة الداخليّة.
تُستخدم مجموعات واتساب لتشويه سمعة الصحافيّين، والخصوم السياسيّين، واستهداف الشخصيّات القضائيّة، وتقويض التّحقيقات، وتنسيق ردود سريعة على الانتقادات، وتعزيز الخطّ الحزبيّ في اللّحظات الحسّاسة. ويُطمس أي صوت معارض بسرعة، وعندما تظهر روايات مضادّة، توسم أو تُنزع مصداقيّتها، أو يُسخر منها في هذه البيئات المغلقة.
ولا تزال وسائل إعلام حزب الله التقليديّة، مثل قناة المنار، والبيانات الرسميّة، وخطابات القادة، تؤدّي دورها، لكنّها لم تعد محور عمليّة التّأثير. فالثّقل الحقيقيّ يكمن في آلاف الشّبكات الصّغيرة الّتي تعمل بالتّوازي، حيث تشكّل كلّ مجموعة عقدة ضمن منظومة أوسع لإنتاج القناعات.
لم يعدِ المناصرون يتلقّون الرّوايات فحسب، بل باتوا يُجبرون على العيش في داخلها، محاطين باستمرار بالتّعزيز الاجتماعيّ، والإشارات العاطفيّة. وفي هذا الإطار، أصبح واتساب أكثر من مجرّد تطبيق مراسلة؛ إنّه ساحة معركة، لا يُقاس فيها النّفوذ بالمساحة الجغرافيّة فحسب، بل بالتّصديق. ولم يعد لبنان يواجه حرب معلومات فحسب، بل حربًا على الواقع بحدّ ذاته.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us