ما يكشفه فعليًّا اختراق حاجز الصّوت!

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
شكّلت فرقعات الطّيران الإسرائيليّ عند اختراق حاجز الصّوت جزءًا من المشهد اليوميّ اللبنانيّ منذ زمن. لكنّها ازدادت حدّةً وتكرارًا مع استئناف الصّراع مع حزب الله. وعلى الرغم من كونها مشاهد مذهلة، فإنّها تثير أيضًا تساؤلات تقنيّة: هل هي مجرّد استعراض للقوّة، أم أداة عسكريّة متطوّرة؟ وما الهدف الحقيقيّ من هذه الانفجارات؟
سماء مشرّعة. وفضاء جويّ مُتاح أمام الرّياح والطّائرات. لا يكون ضجيج السّماء في لبنان يومًا محايدًا. فمنذ عقود، اعتدنا في حياتنا اليوميّة على انفجارات الطّيران الإسرائيليّ الصوتيّة؛ إيقاع متقطّع يفرض نفسه بين الفينة والأخرى. وتوقيع مألوف يكاد يكون جزءًا من المشهد، ويذكّر بواقع دائم: غياب السّيادة الجويّة.
لكنّ الأسابيع الأخيرة شهدت تغييرًا في الإيقاع. فمنذ تجدّد النّزاع بين إسرائيل وحزب الله، ارتفعت وتيرة هذه الانفجارات، واشتدّت. إذ دوّت مساء السّبت الماضي، ستّة انفجارات متتالية، بقوّة استثنائيّة، سُمعت أصداؤها في مناطق لبنانيّة متعدّدة، ما أثار فورًا موجةً من الذّعر. وفي لحظاتٍ، تسلّل الشكّ إلى النّفوس: هل هي ضربات، أم مجرّد تحليقات؟ وهل هو هجوم أم مرور عابر؟
ليست الظّاهرة بجديدة، لكنّ تكرارها في سياق مشحون بالتوتّر يمنحها معنًى مختلفًا. ومع تكاثر هذه الفرقعات، يطفو سؤال يغذّيه حدْس تقنيّ: هل يمكن استخدام هذه الموجات لاستكشاف باطن الأرض، أو للكشف عن أنفاق أو بنى تحتيّة مدفونة؟ الفكرة متداولة، لا سيّما في ما خصّ الشّبكات الموجودة تحت الأرض، والمنسوبة إلى حزب الله. إنّها استعارة آسرة: كما في التّصوير بالأشعّة، تخترق موجة الصّدمة الأرض فتكشف بُنيتها الداخليّة. حرب لم تعد تكتفي بتوجيه الضّربات، بل تمتدّ لتكشف ما تحت سطح الأرض.
لكنّ هذا الافتراض لا يصمد أمام التّحليلات. فالتقنيّات القادرة على رسم خرائط باطن الأرض موجودة فعلًا، وهي تعتمد على دراسة انتشار الموجات، لكنّها تتطلّب شروطًا صارمةً: إشارة مضبوطة، وحسّاسات أرضيّة، وتحليل الارتدادات بشكل دقيق. أمّا الانفجار الصوتيّ، فلا يستوفي أيًّا من هذه المعايير. فالموجة الّتي تولّدها الطّائرة عند اختراقها حاجز الصوت تنشأ في الهواء، وعندما تصل إلى الأرض تنعكس طاقتها بمعظمها، ولا يتغلغل سوى جزء ضئيل منها في الطّبقات السطحيّة. والأهمّ من ذلك أنّها ليست مضبوطة ولا مقاسة. وما من جهاز على متن الطّائرة يسمح باستغلال ارتداداتها. فهي ليست أداة تصوير، بل ظاهرة جويّة ذات أثر إدراكيّ أساسًا.
لكنّ قراءة أخرى متعلّقة بحزب الله تنتشر أيضًا، وهي أكثر تقنيّة. وِفق هذا الافتراض، قد يُثير اختراق حاجز الصّوت ردود فعل لدى الطّرف الآخر، كتفعيل أنظمة معيّنة أو انبعاثات اتّصال، في سياق يقظة متزايدة.
مع ذلك، يتعيّن التّخفيف من هذا التّفسير. فالانفجار الصوتيّ، بحدّ ذاته، ليس أداة كشف. وتعتمد القدرات على الرّصد على وسائل الحرب الإلكترونيّة القادرة على التقاط الانبعاثات الكهرومغناطيسيّة. بمعنى آخر، لا “تكشف” موجة الصّدمة الرّادار، بل تكشف ردّة الفعل المحتملة الّتي قد تثيرها.
وإذا كانت هذه الانفجارات لا “ترى” شيئًا، ما الجدوى إذًا من هذا التّصعيد؟ لا تكمن الإجابة في التّكنولوجيا بل في الطّريقة الّتي يُوظَّف بها الفضاء الجويّ كحيّز للفعل الاستراتيجيّ.
السّيطرة على السّماء وفرض الإيقاع
الوظيفة الأولى بُنيويّة: تأكيد الهيمنة الكاملة على الفضاء الجويّ اللبنانيّ. فمنذ سنوات، تعمل إسرائيل في سماء مشرّعة على اتّساعها. إنّما وفي سياق نزاع نشط، لا يكفي الحفاظ على هذه الحقيقة، بل يتعيّن جعلها محسوسةً. ليس المرور فوق الصوتيّ مجرّد تحليق، بل هو إعلان صريح، يرمز إلى أنّ أي قيد عمليّ، يُعرقل هذه المسارات، غير موجود. تخضع السّماء للسّيطرة، بشكل دائم، ويمكن تفعيلها في أي لحظة.
ليست هذه السّيطرة تقنيّة فحسب، بل استراتيجيّة أيضًا. فهي تُتيح المراقبة، والتّحضير للضّربات، وتعديل الأجهزة، وأيضًا إظهار القدرة من دون الحاجة إلى استخدامها فورًا. يُصبح الانفجار الصوتيّ برهانًا مسموعًا على التفوّق، وطريقةً لفرض الوجود العسكريّ من دون إحداث دمار.
يندرج اختيار التّحليق على علوّ منخفض في هذا المنطق، لكنّه يستدعي توضيحًا. ففي معظم مسارح العمليّات، يُستخدم التّحليق المنخفض لتفادي الرّادار، وتقليص زمن ردّة الفعل لدى الخصم. وتسمح التّضاريس بالتّمويه الجزئيّ، وتُعقّد عمليّة الكشف. أمّا في لبنان، فالوضع مختلف. إذ لا يواجه الطّيران الإسرائيليّ أي منظومة دفاع جويّ منظّمة، قادرة على منازعة سيطرته على السّماء بشكل مستدام، ما يجعل خطر الرّادار هامشيًّا. بعبارة أخرى، لا تشكّل هذه الاحتياطات، وإن كانت وجيهة في سياقات أخرى، قيدًا حاسمًا هنا.
من هنا، يكتسب التّحليق على علوٍّ منخفضٍ معنى آخر. إذ لم يعد مجرّد وسيلة لتقليص الهشاشة، بل بات أداة لتعظيم الأثر. فكلّما اقتربت الطّائرة من الأرض، تضاءلت قدرة موجة الصّدمة على التبدّد قبل بلوغها السّطح. ويزداد الانفجار الصوتيّ قوّةً، وكثافةً، وأثرًا ماديًّا. يتجاوز حدود الضّجيج، ليغدوَ هزّة تخترق الأجساد كما تخترق الفضاءات.
ليست هذه المبالغة في الأثر الصوتيّ بتفصيل، بل هي جزء من استراتيجيّة أوسع، حيث يصبح الإدراك ساحة عمل قائمة بحدّ ذاتها. ففي بلدٍ تبقى ذاكرة القصف حاضرة فيه، يوقظ كل انفجار ردود فعل فوريّة، ويوقف الحياة اليوميّة، ويفرض لحظة توقّف، ويزرع الشكّ.
يلتقي هنا بالذّات البُعد النفسيّ بالمنطق العمليّ. وترسّخ هذه الانفجارات حالةً من الشكّ الدّائم، وتخلط بين التّحليق والضّربة، وتفرض يقظة مستمرّة. وفي بيئة تتداخل فيها خطوط الجبهة، وتتشابك المناطق المدنيّة مع البنى العسكريّة، تتحوّل هذه الضبابيّة إلى رافعة تُستثمر كأداة استراتيجيّة فاعلة.
لكنّ الأمر لا يقتصر على “إثارة الخوف”، بل يقوم على الحفاظ على ضغط مضبوط بعناية؛ إظهار القدرة على توجيه الضّربات من دون تنفيذها، والتّذكير بالقوّة من دون الانزلاق إلى تصعيدٍ خارجٍ عن السّيطرة. وهكذا، يغدو الانفجار فوق الصوتيّ أداة وسطيّة: أكثر من مجرّد إشارة، وأقلّ من هجوم.
في هذا السّياق، يحلّ الصّوت جزئيًّا مكان الفعل. ويسمح باحتلال الفضاء، وفرض الإيقاع، وهيكلة زمن النّزاع. ويُدخل الحرب في تفاصيل الحياة اليوميّة من دون المرور دائمًا عبر الدّمار الماديّ.
يؤدّي التّكرار هنا دورًا أساسيًا. وهذه التّحليقات ليست معزولة، وتبني وتيرتها زمنًا خاصًا. تصبح متوقّعة، ثمّ مرهوبة، ثم مُدمجة. وتشارك في شكل من أشكال التّنظيم غير المباشر للمناخ الأمنيّ، حيث يحافظ التوتّر على مستوى ثابت من دون تجاوز عتبة الضّربة بشكل منهجيّ.
هكذا، يتعدّى ما يخفيه اختراق حاجز الصّوت في لبنان التقنيّة السريّة، والقدرة على الكشف تحت سطح الأرض، ليشكّل ممارسة عسكريّة متقنة، تجمع بين الهيمنة الجويّة، والتكيّف التكتيكيّ، والضّغط النفسيّ.
مواضيع ذات صلة :
3 إشارات قد تكشف أن منزلك تحت المراقبة الرقمية | اختراق صامت يهدد واتساب… رسالة واحدة تكفي للسيطرة على حسابك | خطوات ضرورية.. هكذا تحمي حساب “واتسأب” من الإختراق! |




