وسائل التّواصل الاجتماعيّ: مجنّدو الإرهاب الجدد!

ترجمة هنا لبنان 4 نيسان, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:

أصبحت وسائل التّواصل الاجتماعيّ اليوم ساحات لتجنيد الإرهابيّين، حيث يُقارَب المراهقون، ويُؤثَّر فيهم، وأحيانًا يُدفَع لهم المال. وفي الوقت عينه، تُعيد الحروب في الشّرق الأوسط إحياء بعض الإيديولوجيّات المتطرّفة. بين الاستقطاب الرقميّ، والمال، والغضب، تتحوّل هذه الآليّات اليوم إلى مسارات تقود نحو العنف.

يسير التطرّف منذ وقت طويل وفق مسار واضح: يتعرّف الفرد إلى إيديولوجيّة، ويرتبط بها تدريجيًّا، ثمّ ينتهي به المطاف إلى مرحلة الفعل، حيث يظهر العنف كنتيجةٍ لقناعةٍ متزايدةٍ، بُنيت بشكل تصاعديّ.

لم يختفِ هذا النّمط، ولا يزال قائمًا في الكثير من الحالات، خصوصًا في السّياقات الّتي تشكّل فيها الإيديولوجيّة جزءًا من إطار سياسيّ، أو دينيّ قويّ. لكنّه لم يعد كافيًا لتفسير مسارات التطرّف الحاليّة.

تتطوّر هذه الملامح منذ سنوات. فالأفراد، وغالبيّتهم من الشّباب، ينتقلون إلى الفعل من دون ارتباط إيديولوجيّ واضح في البداية، ولا يملكون أي مسار نضاليّ أو تكوين سياسيّ؛ وغالبًا ما تكون علاقتهم بالخطاب غير واضحة، وأحيانًا سطحيّة. وعند البعض، تأتي الإيديولوجيّة لاحقًا لتبرير الفعل أو منحه التّناسق.

لذلك، لم يَعُدْ الإرهاب يجنّد المقتنعين فحسب، بل يستهدف أيضًا الأفراد المتوافرين، وأولئك الّذين يسهل الوصول إليهم، والتأثير فيهم.

مراهقون يُرصدون عبر الإنترنت ويُشترون بالمال بعد التقرّب منهم

تتمحور هذه الظّاهرة أساسًا حول وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي لم تعد تشكّل أدوات نشر فحسب، بل فضاءات لرصد ملفّات الشّباب الشخصيّة.

لا يبحث المستخدم على منصّة “تيك توك” عن المحتوى، بل يتوافر المحتوى ويفرض نفسه. تقترح الخوارزميّة باستمرار مقاطع فيديو قصيرة، مؤثِّرة غالبًا، وأحيانًا عنيفة. ومع التّكرار، تغدو بعض الصّور مألوفة، وتتوقّف عن إثارة الدّهشة. فبالنسبة إلى المُراهق، يغيّر هذا التّكرار المعايير، إذ لا يعود العنف يصدم بالطّريقة عينها، بل يصبح جزءًا من التدفّق اليوميّ.

من هنا، يبدأ الاتّصال الأوّل. عن طريق الصّورة والمشاعر، وليس من خلال خطاب منظّم. ثمّ ينتقل الشّاب إلى فضاءات أكثر انغلاقًا مثل “ديسكورد”، حيث تجري المناقشات ضمن مجموعات صغيرة، وبشكل مباشر. يدور النّقاش، وتحصل المراقبة، ويجري الاختبار. وتترسّخ العلاقة. وغالبًا ما تظهر العروض في هذه المرحلة.

الهدف هو شاب مُتاح. شاب معزول، يفتقد إلى معايير واضحة، ويبحث عن الانتباه، أو بعض الحدّة. ليس الهدف الإقناع، بل اقتناص الفرص. وأحيانًا استغلاله مقابل مبلغ من المال.

اقتنع قاصرون، في قضايا حديثة متعدّدة، بارتكاب أفعال عنيفة مقابل بضع مئات أو آلاف الدّولارات. مبالغ صغيرة، لكنّها كافية لمراهقين بلا موارد. يحصل التّبادل مباشرة: الفعل مقابل المال. ليس الهدف إرساء نوع من الإقناع، بل استغلال ثغرة.

تؤدّي هذه المنطقيّة إلى نوع من التّطبيع المقلق. فقد يتحوّل العنف إلى عمل محدّد، أو مهمّة عابرة منفصلة عن مشروع شامل. لم يعد الانتقال إلى الفعل يتطلّب التزامًا قويًّا. قد يكون سريعًا، وشبه انتهازيّ.

يقترب هكذا الإرهاب من بعض أساليب الجريمة المنظّمة، حيث لا يشكّل المُنفّذ عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه، لا بل غالبًا ما يُستبدَل بسهولة، علمًا أنّ النّمط هذا لا يقتصر على المراهقين فحسب.

تُجسّد ذلك حالة حديثة في إسرائيل، وبوضوح صادم: يُشتبه في نقل أحد جنود الاحتياط المرتبطين بمنظومة الدّفاع الصاروخيّ، المعروفة بالقبّة الحديديّة، معلومات حسّاسة إلى إيران مقابل نحو 1,000 دولار بعملات مشفّرة، بما في ذلك تفاصيل عن منشآت عسكريّة، وأسماء مسؤولين أمنيّين.

تُظهر حالات مماثلة أنّ الإقناع، وحتّى في البيئات الحسّاسة، ليس دائمًا ضروريًّا. ففي بعض الأحيان، يكفي تقديم مبلغ من المال مقابل الفعل. ومن ناحية الإرهاب، يعني هذا تجنيد الفرد بسرعة، من دون أي مسار مسبق، لمجرّد توافره في لحظة ما.

حرب تغذّي الغضب وتعيد إحياء الإيديولوجيّة

في الوقت عينه، لا تختفي الإيديولوجيّة. لا بل يُعاد إحياؤها بفعل النّزاعات المستمرّة. فالحرب بين إيران، وحزب الله، وإسرائيل، والولايات المتّحدة، تؤدّي إلى تدفّق متواصل من الصّور والقصص، وتنتشر مشاهد القصف، والضّحايا، والدّمار، لحظة حصولها.

ويُعاش العنف بشكل يوميّ في المناطق المتأثّرة بشكل مباشر. وتفقد عائلات أقارب لها، وتختفي مراجع ومعايير. وفي هذه السّياقات، تؤمّن الخطابات الإيديولوجيّة إطارًا لفهم الأحداث، وتسميتها، وتبريرها. وقد يتحوّل الفقدان إلى دافع للانخراط. لكنّ هذه الصور لا تبقى محصورة في الميدان.

وعن بُعد، تنتشر هذه المحتويات على المنصّات عينها. وتُرى، وتُشارَك، ويُعلَّق عليها. وتُثير ردود فعل قويّة. وعند بعض الشّباب، يؤدّي هذا التعرّض إلى ارتباط مباشر بالصّراع.

لا ينتقل الجميع إلى مرحلة الفعل. لكنّ هذه الشّحنة العاطفيّة قد تفتح ثغرةً عند مَن يعانون أصلًا حالةً من الهشاشة. هنا بالذّات تتقاطع الديناميكيّتان.

قد ينفعل مراهق معرّض باستمرار إلى محتويات عنيفة على تيك توك، بسبب صور الحرب، فيتأثّر بما يرى، ويغضب. وفي فضاءات أكثر انغلاقًا مثل ديسكورد، يمكن استثمار هذه المشاعر، وتوجيهها نحو أداء الفعل.

في المقابل، قد يُستهدَف شاب، سبق أن تأثّر بالحرب، عبر الفضاء الرقميّ، حيث يتحوّل غضبه إلى مدخل للاستقطاب، والتّوظيف. وفي الحالتَيْن، تتقاطع الإيديولوجيا مع الفرصة، ما يجعل المسارات أكثر تعقيدًا، وصعبة القراءة. إذ لا تتوافر دائمًا مؤشّرات واضحة، وقد يكون الانتقال إلى الفعل سريعًا، ومن دون مسار تدريجيّ سهل الرّصد.

في السّياق الرّاهن، تخشى أجهزة أمنيّة كثيرة ارتفاع وتيرة الأفعال العنيفة. ليس لأنّ الحرب تصنع إرهابيّين تلقائيًّا، بل لأنّها تُغذّي مناخًا من التوتّر والاستقطاب. ولم يعدِ الخطر يأتي من الجماعات المنظّمة، بل من أفرادٍ يعيشون عزلةً، أحيانًا يافعين جدًّا، ويُفعَّلون بسرعة فائقة.

ولم يعد الإرهاب يسير وفق نموذج واحد. وقد يستهدف المقتنعين كما كان يفعل في السّابق. لكنّه بات يرصد أيضًا أشخاصًا معيّنين على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، والتأثير فيهم، وفي بعض الحالات، إغراقهم بالمال.

تبقى الإيديولوجيا مركزيّةً، لا سيّما في مناطق النّزاع، لكنّها لم تعد تشكّل دائمًا الخطوة الأولى. فبين وسائل التّواصل الاجتماعيّ، والمال، والحرب، أصبحت الظّاهرة أكثر انتشارًا، تنتقّل بسرعة، وتتحوّل، وتتكيّف.

وهذه القدرة على التكيّف، البسيطة في آليّاتها، إنّما الفعّالة، هي ما يجعل من الإرهاب اليوم تهديدًا يصعب التنبّؤ به أكثر فأكثر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us