هزيمة النّظام الإيرانيّ أصبحت ضرورة

ترجمة هنا لبنان 7 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب شارل شرتوني لـ”Ici Beyrouth“:

تختصر مقولة “يتعيّن تدمير قرطاج” Carthago delenda est موقفًا مطلوباً من رجال الدولة اتّخاذه إزاء قرارات مصيريّة لا تفسح مجالًا أمام خيارات مفتوحة. فالصّراع مع إيران يُعتبر نموذجًا للحروب المعاصرة، حيث تغدو هزيمة القوى الشموليّة أمرًا حتميًّا لتفادي مخاطر العنف المستمرّ، والسّيناريوهات الكارثيّة.

تتّسم الاستراتيجيّات الّتي تروّج لها البرامج السياسيّة المشبوهة لدى الأنظمة الشموليّة والاستبداديّة، والغموض المحيط بموقف المجتمع الأوروبيّ المنقسم، بالتّضليل إلى حدّ كبير، إذ لا تقدّم أي مخرج، ولا تفتح أفقًا للسّلام، ما يزيد من تأجيج التوتّرات القائمة، ويطيل أمد النّزاعات بدل أن يسهم في حلّها.

لم تؤدِّ المفاوضات المستمرّة مع إيران إلى حلّ سلميّ للنّزاع، ولم يثبت سعيها الحثيث إلى الانتقام قدرتها على إحباط التّحالف الأميركيّ-الاسرائيليّ، أو تغيير الديناميّات العسكريّة والسياسيّة النّاشئة، لا سيّما بعد تدمير بنيتها التحتيّة العسكريّة واللوجستيّة، وهزيمة وكلائها الإقليميّين، وتفكيك شبكاتها الارهابيّة والاجراميّة. ومن شأن هذه التطوّرات أن تمهّد إلى قيام أنظمة إقليميّة ودوليّة أكثر استقرارًا.

لقد فشل محور القوّة ذو الطّابع الشموليّ الجديد، حتّى الآن، في إعادة تشكيل تحالفاته أو رسم خطوط فاصلة لحرب باردة جديدة. وبدلًا من ذلك، كشف عن التصدّعات المتزايدة في داخل الاتّحاد الأوروبيّ، وعجزه عن التكيّف مع تحدّيات مرحلة سياسيّة مختلفة، مسلّطًا الضّوء على إشكاليّات التّماسك الداخليّ، وآليّات مواجهة تهديدات محاور القوّة. وقد استغلّت هذه المحاور تلك الانقسامات لتعزيز أجنداتها، عبر تقويض وحدة الاتّحاد الأوروبيّ بشأن العقوبات، وتأجيج الخلافات بين الدول الأعضاء.

وبصرف النّظر عن السّياق، تُطالَب ضفّتا تحالف الأطلسيّ بإعادة تقييم خططهما الاستراتيجيّة، ومراجعة مسلّماتهما الأيديولوجيّة، وإعادة تحديد أهدافهما العملياتيّة، والتّشكيك في السّيناريوهات غير المقنعة والمقلقة. وقد عبّر وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو مرارًا وتكرارًا عن الرّؤية الأطلسيّة، إلّا أنّه أبدى مؤخّرًا قدرًا من التحفّظ والحذر، في وقت شكّك فيه كل من إيمانويل ماكرون وكير ستارمر في الأولويّات الاستراتيجيّة الّتي فرضتها التطوّرات العسكريّة الأخيرة، وفي ضرورة بلورة موقف مشترك حيالها. وتعكس هذه المواقف التّباينات الداخليّة المتنامية في بلدانهم، الّتي تعبّر بدورها عن انقسامات أيديولوجيّة أوسع في الديمقراطيّات الغربيّة.

لا يشكّل التّقليل من شأن النّجاحات العسكريّة الحاليّة، إلى جانب الاستناد الاشكاليّ إلى القانون الدوليّ عند مواجهة نظام شموليّ عنيف ووكلائه، حجّة مقنعة، ولا يدعم طرحًا بديلًا متماسكًا. كما أنّ الانقسامات المتزايدة في المجتمع الأطلسيّ تعكس اختلافات معرفيّة عميقة، وخلافات جوهريّة بين النّزعات الوطنيّة، وتأثيرات “الووكيّة” أي اليقظة الاجتماعيّة والسياسيّة، وتداعيات الهجرة غير المنظّمة. وتعقّد هذه العوامل عمليّة الوصول إلى توافق ضروريّ لمعالجة قضايا الشرعيّة، وإمكان تحقيق النّصر في الصّراع الدّائر.

ويبقى السؤال الأكثر أهميّة في هذه المرحلة الحرجة: هل هذه الحرب عادلة، وقابلة للانتصار؟ وهل ثمّة مبرّر للنّتائج العسكريّة الحاليّة؟ تشير المعطيات إلى أنّ أهداف الحرب ليست مشروعة فحسب، إنّما قابلة للتحقّق بشكل معقول. ولقد سجّلت الأهداف العسكريّة خطوات حاسمة، ولا حاجة إلى التّراجع، فالنّصر ليس وهمًا، ولا نبوءة تتحقّق ذاتيًّا.

تمتلك هذه الحرب القدرة على تعديل ديناميّات القوى الإقليمية بشكل كبير، وفتح الطّريق أمام حوكمة أكثر استقرارًا في المنطقة، لا سيّما من خلال إنهاء النّظام الايرانيّ، وتعزيز التّعاون بين الدول المجاورة. لا تشكّل المرونة المزعومة لدى النّظام الإيرانيّ سوى وهم، كما يبدو الجدول الزمنيّ الّذي حدّدته القيادات العسكريّة معقولًا.

يصيب النّفوذ العسكريّ الايرانيّ وقدرته على التّأثير، التّآكل، ما يجعل بقاء النّظام غير مضمون بشكل كبير؛ بالإضافة إلى هذا، ساهمت تهديداته المتزايدة في تصاعد التوتّر، وإرساء عدم الاستقرار في المنطقة. وعليه، فهزيمة النّظام ضروريّة لتحقيق هذه الأهداف. والتمسّك بوهم السّلام غير مجدٍ ما دام النّظام الإيرانيّ قائمًا.

السّؤال المطروح والمشروع هنا هو حجم هذه الهزيمة، ودلالاتها النهائيّة: أهي هزيمة استراتيجيّة؟ أم انهيار سيطرة شموليّة؟ أم انفتاح سياسيّ؟ أم نزع عسكرة الصّراعات؟ أم إعادة اندماج في المجتمع الدوليّ ضمن وضع طبيعيّ؟

تبقى هذه الأهداف افتراضيّة ما دام النّظام الإيراني موجودًا؛ ويتزايد خطر الفوضى وعدم الاستقرار من دون خطّة حوكمة بديلة واضحة. وينتج السّقوط عن مسار تفككيّ، تتقاطع فيه الهزائم العسكريّة المتراكمة، مع تآكل نظام سياسيّ متداعٍ أصلًا، وفاقد للمصداقيّة. لقد حان الوقت لتفكيك النّظام، وإطلاق ديناميّة هيكلة سلطة تنافسيّة، وذاتيّة التّدمير.
يتعيّن أن تتقدّم المفاوضات على مسار مفتوح، مع مراحل تتأرجح بين استسلام، وحلّ دبلوماسي توافقّيّ، يستند إلى تنازلات جوهريّة نصّت عليها المقترحات الدبلوماسيّة الأميركيّة بعناية.

ويكمن مفتاح النّجاح في الصّلابة، والمناورة الحكيمة من أجل تطبيع المشهد السياسيّ، ومواجهة التحدّيات الّتي تفرضها جماعات مثل حزب الله والحوثيّين، والتصدّي لقدرة النّظام الإيرانيّ على التّعطيل، وتهيئة الأرضيّة لنشوء تفاعلات سياسيّة إقليميّة أكثر تعاونًا.

بنفس الطّريقة، لا يبدو أنّ الأوضاع ستصبح طبيعيّة في لبنان، ما دام حزب الله يواصل ترسيخ نفوذه الّذي يتعدّى الحدود، والتّشكيك في السّردية الوطنيّة اللبنانية وفي توازناتها الهيكليّة، والحفاظ على قدرته على التأثير في الاستقرار الإقليميّ.

أمّا الغموض الّذي يكتنف أداء السّلطة التنفيذيّة اللبنانيّة، وهشاشة الدولة، فلا يبدو أنّهما قادرتان على مواجهة التحدّيات الرّاهنة. علاوة على ذلك، تواصل إسرائيل تحقيق أهدافها الاستراتيجيّة بشكل مستقلّ، بعد أن فقدت الأمل في قدرة الحكومة اللبنانيّة على الالتزام باتّفاق وقف إطلاق النّار الموقّع في الرّابع والعشرين من تشرين الثّاني 2024، وفي نيّتها الالتزام به.

أما حالة الوهن الذاتيّ الّتي يعانيها لبنان فتضعف مصداقيّة مسؤوليه، وتطرح تساؤلات حول شرعيّتهم وقدرتهم على التّفاوض في أي مسار سلام مستقبليّ. ولا يمكن أن يستمرّ وضع الضبابيّة السياسيّة المفتوحة هذه، من دون إلحاق الضّرر باستمراريّة الدولة اللبنانيّة، وبالسّلم الأهليّ، أو تقويض جهود ترسيخ نظام سياسيّ إقليميّ يعاني هشاشة كبيرة.

هذا وتتواصل الحملة العسكريّة الاسرائيليّة بأهداف استراتيجيّة وسياسيّة متغيّرة، بينما يبقى لبنان أسير ديناميّات مدمّرة، أدّت إلى تآكل ركائزه الاستراتيجيّة والدستوريّة منذ عقود سبعة. ويزيد هذا الواقع من تعقيد فرص الاستقرار والسّلام في المنطقة، خاصّة في ظلّ تفاقم التوتّرات مع الدول المجاورة بسبب الصّراعات، وتعثّر الجهود الدبلوماسيّة.

استمرار هذه الحرب، وفق هذا المنظور، ضروريّ، من أجل المحافظة على مستقبل نظام عالميّ ديمقراطيّ وليبراليّ، ومحو التّهديدات القصوى الّتي تجسّدها “وحوش نهاية العالم”: “لقد تحرّر إبليس، وها هو يغوي الأمم (يأجوج ومأجوج) لخوض معركة أخيرة ضدّ معسكر القدّيسين، لكنّ نارًا سماويّة تهزمه، ثمّ يُلقى إلى الأبد في بحيرة من النّار والكبريت، مع الوحش والنبيّ المدّعي إلى الأبد”. وتحمل هذه الصّورة الرمزيّة التوراتيّة من القوّة ما يكفي لتجسيد مشهد كارثيّ، بما يتضمّنه من حبكة دراميّة وكوارث متلاحقة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us