وقف إطلاق النّار بين إيران وأميركا: مَن فاوض باسم طهران؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
إلى جانب الغموض الّذي يلفّ اتّفاق وقف إطلاق النّار المؤقّت الممتدّ على فترة أسبوعيْن، والمُعلن مساء الثّلاثاء بين واشنطن وطهران، تبرز منطقة ظلٍّ لا تقلّ أهميّة: هويّة المحاورين الإيرانيّين. فخلف هدنة، قيل إنّها انتُزعت في اللّحظة الأخيرة، يبقى سؤال حاسم معلّقًا: مَن فاوض فعليًّا من الجانب الإيرانيّ؟ ومَن امتلك الكلمة الفصل في اتّخاذ القرار؟
مفاوضات متعدّدة المسارات
تفيد مصادر متقاطعة بأنّ المحادثات لم تأخذ شكل مفاوضات مباشرة تقليديّة، بل جرت عبر شبكة معقّدة من الوسطاء، في مقدّمتهم دول باكستان، وتركيا، ومصر، الّتي اضطّلعت بدور قنوات اتّصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران.
من الجانب الإيرانيّ، يبرز اسم وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي، بوصفه القناة الدبلوماسيّة الأبرز. فقد أدار تواصلًا غير مباشر مع المبعوث الأميركيّ ستيف ويتكوف، عبر تبادل رسائل نقلها الوسطاء. وتشير معطيات متقاطعة إلى أنّه اضطّلع بدور محوريّ في صياغة المقترحات الإيرانيّة المضادّة، وفي إقناع دوائر عسكريّة بقبول مبدأ خفض التّصعيد، لا سيّما في داخل الحرس الثوريّ الإيرانيّ.
غير أنّ اختزال مسار التّفاوض في هذه القناة الدبلوماسيّة وحدها يبقى مضلّلًا. إذ تفيد معلومات إقليميّة بأنّ قنوات عسكريّة، خصوصًا عبر الوسيط الباكستانيّ، شاركت أيضًا في إدارة الاتّصالات، ما يعكس تداخلًا متزايدًا بين الدبلوماسيّة الرسميّة والمسارات الأمنيّة، ويشير إلى نمط تفاوضيّ هجين بات يطبع هذا النّوع من الأزمات.
أمّا ما أُثير حول دور لرئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف، فيبقى محلّ تشكيك واسع، ولا يتوافق مع آليّات صنع القرار المعهودة في النّظام الإيرانيّ. إذ تُجمع تحليلات متعدّدة على أنّ مثل هذه الملفّات تُدار أساسًا ضمن أطر المجلس الأعلى للأمن القوميّ، وبالتّنسيق مع الجهاز الدبلوماسيّ، بعيدًا عن المؤسّسات التشريعيّة.
دور المرشد الأعلى الحاسم والغموض المحيط به
في قمّة هرم صنع القرار الإيرانيّ، تبقى قاعدة ثابتة: لا يمكن إبرام أي اتّفاق استراتيجيّ ذي أهميّة من دون موافقة المرشد الأعلى. وفي هذا السّياق، تؤكّد مصادر متقاطعة إنّ مجتبى خامنئي قد صادق شخصيًّا على مبدأ وقف إطلاق النّار.
في ظلّ تهديدات مباشرة، ومخاطر تصعيد واسعة، يبدو أنّ تدخّله كان في الوقت عينه فاعلًا وحتميًّا. ووفق روايات مختلفة، فقد أشرف على المراحل الأخيرة من اتّخاذ القرار، على الرغم من العمل في ظروف اتّصالات صعبة للغاية، حيث اضطرّ إلى استخدام رسل بشريّين بدل الوسائل الالكترونيّة، خشية استهدافه.
غير أنّ هذا المشهد لم يخلُ من غموض إضافيّ. فقبل يوم على إعلان الهدنة، تداولت تقارير، لا سيّما عبر صحيفة “The Times” البريطانيّة، نقلًا عن مذكّرة دبلوماسيّة، معلومات تفيد بتدهور حادّ في حالة المرشد الأعلى الصحيّة، وصلت إلى حدّ القول بأنّه فاقد للوعي، لا بل دخل في غيبوبة.
وتثير هذه المعلومات، الّتي لم يُؤكَّد أي منها رسميًّا حتّى الآن، تساؤلات جوهريّة حول قدرته الفعليّة على ممارسة صلاحيّاته بالكامل في لحظة اتّخاذ القرار الحاسمة. ويزيد هذا الغموض من تعقيد فهم آليّة صنع القرار في إيران؛ فبينما يبقى المرشد صاحب الكلمة الفصل من النّاحية النظريّة، تبقى مسألة مدى تدخّله الفعليّ، سواء مباشرة أو عبر وسطاء، موضع تساؤل.
سلسلة اتّخاذ القرار الإيرانيّ تتّجه نحو عسكرة متزايدة
بعيدًا عن الأسماء وقنوات التّفاوض، تكشف طبيعة السّلطة في إيران الكثير عن تسلسل الأحداث الحاليّ. فعلى الرغم من قيام الجمهوريّة الاسلاميّة على هياكل مؤسسيّة منظّمة على الورق، يميل الواقع العمليّ لصنع القرار بشكلٍ متزايدٍ، وخصوصًا منذ اندلاع الحرب، إلى العسكرة والتدخّل الأمنيّ المكثّف.
تقليديًّا، يتولّى المجلس الأعلى للأمن القوميّ القضايا الكبرى، مثل الحرب، أو السّلام، أو المفاوضات، وهو جهاز محوريّ يجمع بين المسؤولين السياسيّين، والعسكريّين، والأمنيّين. يصوغ هذا المجلس الخيارات الاستراتيجيّة، لكنّ المصادقة النهائيّة تبقى من اختصاص المرشد الأعلى الّذي يشكّل محور النّظام. بعد ذلك، تُسند مهام التّنفيذ إلى الحكومة، لا سيّما وزارة الخارجيّة، في ما يخصّ الجانب الدبلوماسيّ.
يواجه هذا النّموذج النظريّ اليوم تحدّيًا متزايدًا من الأجهزة الأمنيّة، وعلى رأسها الحرس الثوريّ الإيرانيّ، الّذي يُعتبر العمود الفقريّ العسكريّ، والاقتصاديّ، والإيديولوجيّ للنّظام. فقد صُمّم الحرس في الأصل كقوّة لحماية الثّورة، لكنّه أصبح الآن فاعلًا مركزيًّا في صنع القرار الاستراتيجيّ، لا سيّما في الملفّات الإقليميّة والعسكريّة.
في ظلّ السّياق الراهن، ومع الهجمات الّتي استهدفت قيادات بارزة، تَعزّز هذا النّفوذ أكثر، إذ امتلك القادة الميدانيّون هوامش مناورة أوسع، ما يعكس شكلًا من اللّامركزيّة المفروضة على القيادة. يُربك تطوّر كهذا الحدود بين القرار السياسيّ والتّنفيذ العسكريّ.
في الوقت عينه، تظهر المؤسّسات المدنيّة، كالرّئاسة، والبرلمان، والحكومة، في موقع تراجع واضح ضمن هذا النّوع من التّسلسل، بينما تبقى شخصيّات مثل محمّد باقر قاليباف على هامش المفاوضات، ما يؤكّد أنّ مفاتيح السّلطة الفعليّة تقع في أيدي جهات أخرى.
يعكس هذا الانزلاق نحو حكم أكثر أمانًا، تحوّلًا أعمق في بنية النّظام الإيرانيّ. فبينما تضعف القنوات التقليديّة، وتتعقّد الاتّصالات، وتتنامى قوّة الفاعلين العسكريّين، تبدو سلسلة القيادة اليوم أكثر تفكّكًا، لكنّها في الوقت عينه أكثر صرامة وحسمًا.
وتكمن هنا المفارقة الإيرانية الراهنة: ففي الوقت الذي تبحث فيه واشنطن عن طرف تفاوض واضح وموحد، تقدم طهران وجهًا مجزأً ومتعدّد الأبعاد، حيث يتعايش الدبلوماسيون والعسكريون والسلطات السياسية ضمن توازن هش ومتوتر.
وبناءً على ذلك، يظهر وقف إطلاق النار مساء الثلاثاء ليس كنتيجة لسلسلة قرار مركزية ومُحكمة، بل كـ”حل وسط انتُزع في ظروف عاجلة، وتمّت المصادقة عليه في القمة”، لكنه جرى التفاوض بشأنه ضمن نظام مشدود تحت ضغوط وتوتّرات داخلية متصاعدة.
مواضيع ذات صلة :
بين إيران وأميركا… تطويق النفوذ الإيراني وترامب يحتفظ بخطوطه الحمراء | بعد التطورات بين إيران وأميركا… ارتفاع في أسعار النفط | زيلينسكي: الخبراء العسكريون سيواصلون مهمتهم |




