إيران والحزب: النّفوذ والولاء والتبعيّة

كتب David Sahyoun لـ”Ici Beyrouth”:
يمكن قراءة العلاقة بين إيران وحزب الله، بما يتجاوز التّحليل الجيوسياسيّ الضيّق، من زاوية النّفوذ والامتداد، والدّيْن الرمزيّ، والولاء، وتشكيل الهويّة. تكشف هذه الرّؤية عن علاقة كثيفة ومعقّدة، بحيث لن يشكّل أي تمزّق فيها مجرّد مسألة استراتيجيّة، بل يمسّ الجوهر الوجوديّ، وهويّة الطّرفيْن الذاتيّة.
تُطرح بعض التّحالفات السياسيّة في إطار استراتيجيّ أو أيديولوجيّ، غير أنّ ثمّة ما يفلت دومًا من شبكات التّحليل التقليديّة. فالعلاقة بين إيران وحزب الله تنتمي إلى هذا النّمط من الرّوابط الّتي تبدو وكأنّها تتجاوز عقلانيّتها الظّاهرة، لتدخل في اقتصاد مغاير، حيث لا تُقاس الدّيون بالأرقام، وحيث الولاء لا يُعرض للتّفاوض من غير أن يبقى فيه فائض لا يُختزل ولا يُستنفَد.
فلنحوّل أنظارنا إلى ما يتجاوز حدود الفرد في علاقات السّلطة، حيث ينخرط الكائن في شبكة تربطه بما هو أوسع منه. هذا ما أشار إليه فرويد في دراساته حول علم نفس الجماهير، حين تحدّث عن هويّة لا تقوم على مجرّد توافق عابر، بل على رباط أعمق يتشكّل فيه الفرد انطلاقًا من الآخر. وفي ما بعد، سيصف لاكان هذا الموضع الّذي تُحتجَز فيه رغبة الفرد في رغبة الآخر، بحيث يغدو الانفكاك عنها محفوفًا بالخسارة، وكأنّ الذّات لا تُبنى إلّا في هذا التوتّر بين ما تريد هي وما يطلبه الآخر.
في هذا المنظور، لا تُختزل العلاقة بين إيران وحزب الله في تحالف غير متكافئ بالمعنى التقليديّ. فهي أقرب إلى بنية من التملّك بالمعنى التحليليّ النفسيّ، أي إلى تكوين لا تُبنى فيه التبعيّة على الآليّات الماديّة وحدها، بل على ديْن رمزيّ يطال الكينونة الجماعيّة.
لا تختزل الهيمنة، كما تناولها مفكّرون مثل بول-كلود راكاميه أو في سياق آخر، بييرا أولانييه، في السّيطرة الظّاهرة. فهي تعمل بأسلوب أكثر خفاء، عبر انغراسها في عمليّات التّماهي، وفي بناء المعنى بحدّ ذاته. وهي تفترض أن يجد الموضوع في الآخر ليس مجرّد سند، بل أصلًا وضمانة، وأحيانًا شرطًا لإمكان وجوده. فالآخر ليس من يساعد أو من يفرض فحسب، بل يصبح ذاك الّذي من دونه يعجز الموضوع عن التّفكير في ذاته، أو تصوّر نفسه مستقلًّا.
في هذا الأفق تُقرأ صورة إيران. ليس كمجرّد قوّة تسعى إلى موقع إقليميّ فحسب، بل كجهة تمنح الشرعيّة. فمنذ ثورة 1979، لم تقتصر طهران على بسط نفوذ جيوسياسيّ، بل قدّمت إطارًا رمزيًّا، ومصفوفة أيديولوجيّة، واستمراريّة تاريخيّة ودينيّة تتجاوز مجرّد الدّعم اللوجستيّ. أمّا حزب الله، فلا يتشكّل كفاعل سياسيّ أو عسكريّ لبنانيّ فحسب، بل يرى نفسه امتدادًا لتاريخ أوسع، هو تاريخ التشيّع السياسيّ الّذي أعيد تفعيله وإعادة تعريفه، والمندرج في دراميّة التّضحية والمقاومة.
ما يظهر هنا هو شكل من أشكال الدّيْن الرمزيّ؛ ديْن لا ينطفئ لأنّه لا يقابل خدمة محدّدة بوضوح. إنّه يندرج في منطق الاعتراف والامتنان، بل وفي بعض الأحيان، في منطق البقاء بحدّ ذاته. وهو ما يجعل الانفصال أمرًا عسيرًا، إذ لا يعني مجرّد قطع رابط، بل ينطوي على خطر الخيانة، وفقدان جزء من الذّات، ومواجهة فراغ داخليّ. وفي بعض السّياقات، يغدو الوفاء أقلّ خيار حرّ وأكثر ضرورة داخليّة، تفرض نفسها كبداهة حتّى حين ترتفع الكلفة.
وبالمثل، يمكن قراءة العلاقة بين إيران وحزب الله، بما يتجاوز التّحليل الجيوسياسيّ التقليديّ، على أنّها تتأسّس على النّفوذ والامتداد، والدّيْن الرمزيّ، والولاء، وتشكيل الهويّة. هذه العلاقة معقّدة لدرجة أنّ أي تمزّق فيها لن يكون مجرّد مسألة استراتيجيّة، بل يمسّ الجوهر الوجوديّ، وهويّة الطّرفيْن الجمعيّة.
يمكن الاستفادة هنا من أعمال أندريه غرين حول مفهوم التبعيّة، وأشكال الرّوابط الّتي تستمرّ رغم طابعها المدمّر المحتمل. فقد شدّد غرين على أنّ بعض العلاقات لا تستمرّ لأنها مُرضية، بل لأنّها أصبحت تأسيسيّة؛ وقطعها يعني الانهيار.
وفي حالة حزب الله، تبدو العلاقة مع إيران مندرجة جزئيًّا ضمن هذا المنطق. ليس بالمعنى الّذي يجعل كل استقلاليّة مستحيلة، بل بالمعنى الّذي يجعل الانفصال غير ممكن من دون إعادة تشكيل عميقة للهويّة. فإيران ليست مجرّد حليف بين آخرين، بل هي مندمجة في نشأة الحركة، وفي شرعيّتها، وفي هويّتها ذاتها، وفي سرديّتها التأسيسيّة.
هذا الأمر جوهريّ، لأنه يحوّل السّؤال من المجال السياسيّ الصّرف إلى ميدان التّحديد والهويّة. فقد أظهر فرويد في “علم نفس الجماهير وتحليل الأنا” أنّ الجماهير تتشكّل حول تحديد هويّة مشترك لشخصيّة، أو مثال أعلى. وهذا التّحديد ليس سطحيًّا، بل يربط الأنا بما هو أعمق، ويولّد تماسكًا داخليًّا ودرجة من التبعيّة في الوقت عينه.
لقد عمّق لاكان هذا الحدس حين بيّن أنّ الذّات واقعة دومًا في أسر رغبة الآخر. وهذا يعني أنّ رغبتها الخاصّة لا تعود ملكًا لها بالكامل، بل تُصاغ عبر وسيط خارجيّ، وتُوجَّه عبره، كما تُبنى عبره. وفي سياق الهيمنة، تصبح هذه الوساطة أشدّ حضورًا، إذ يجد الفرد نفسه في علاقة يصعب فيها التّمييز بين ما يصدر عن رغبته هو، وما يصدر عن رغبة الآخر. وعند إسقاط ذلك على المجال السياسيّ، يتّضح أنّ عقلانيّتهم مشروطة بمنطق التّماهي والدَّيْن الّذي يوجّه خياراتهم. ويمكن فهم ما قد يبدو من الخارج عنادًا، أو تصلّبًا، كأثر لرابط لا يمكن فكّه من دون تبعات جسيمة.
تندرج مسألة الولاء في هذا الإطار؛ فالولاء ليس مجرّد فضيلة أخلاقيّة، أو استراتيجيّة سياسيّة، بل يمكن أن يتحوّل إلى قيد داخليّ، وإلى التزام لا يُناقش. إنّه يتجذّر في الدّيْن الرمزيّ وفي التّماهي، ويُنتج شكلًا من الوفاء يقاوم تقلّبات الظّرف.
وفي بعض السّياقات، قد يكتسب هذا الولاء بُعدًا من التّضحية. ويُستحضر هنا حضور الشّهادة في التّقليد الشيعيّ، والطّريقة الّتي أُعيد فيها تفعيل هذه الصّورة في الخطابات السياسيّة المعاصرة. فالتّضحية ليست مجرّد فعل شجاعة، بل هي أيضًا وسيلة لإضفاء معنى على الفقد، ولتحويل الموت إلى انتصار رمزيّ.
أوضح فرويد في “الحِداد والملانكوليا” Deuil et mélancolie إمكان استثمار الفقد بطرق مختلفة؛ فقد يُعالج، ويُرمّز، ويُدمج، وقد يُثبَّت، ويُكرَّر، ويتحوّل إلى عنصر مركزيّ في الهويّة. وفي حالة الشّهادة، لا يُنظر إلى الفقد بوصفه حدثًا يُعاش فحسب، بل يُثمَّن، ويُدمج في سرديّة تُعيد إنتاج المعنى.
قد تعزّز هذه المبالغة في تقدير التّضحية آليّات الهيمنة، لأنّها تجعل الانفصال أكثر صعوبة. فالمفارقة لا تعني خيانة حليف فحسب، بل تعني التخلّي عن جزء من الهويّة، وعن سرديّة وتاريخ، وعمّا يمنح الفعل معناه. تستدعي هذه البنية أبعادًا رمزيّة، وخياليّة، وعاطفيّة تُشكّل السلوكيّات الجماعيّة. ومن هنا، يمكن النّظر إلى العلاقة بين إيران وحزب الله كصلة عابرة للذّوات، تتجاوز الأفراد، وتندرج في ديناميّة أوسع.
يتعلّق هذا الرّابط أيضًا باستراتيجيّة إقليميّة؛ فإيران، من خلال بسط نفوذها عبر فاعلين غير دولتيّين، تبني شكلًا من العمق الاستراتيجيّ. غير أنّ هذه الاستراتيجيّة لا تختزل في حساب بارد، بل تستند إلى قرابات رمزيّة، وإلى هويّات مشتركة، وإلى قدرة على الانغراس في تواريخ محليّة.
ولعلّ قوّتها تكمن في أنّها تنجح في الارتباط بأبعاد رمزيّة عميقة متجذّرة في البنى النفسيّة، ما يمنحها استقرارًا خاصًّا. لكنّ هذا الاستقرار ليس من دون ثمن؛ إذ قد يجمّد المواقف، ويجعل التطوّرات عسيرة، ويحبس الفاعلين في منطق يصعب الخروج منه. كما يمكن أن يدخل في توتّر مع ديناميّات أخرى، لا سيّما تلك الّتي تعبر المجتمع اللبنانيّ.
فلبنان ليس فضاءً متجانسًا، بل تعبره خطوط انقسام، وهويّات متعدّدة، وتطلّعات متباينة. وتنغرس العلاقة بين إيران وحزب الله في هذا الفضاء، لكنّها لا تغطّيه بالكامل؛ فهي تتعايش مع روابط أخرى، وتوقّعات مختلفة، وخيالات متباينة.
وهنا تكتسب فكرة الهيمنة كامل تعقيدها؛ فهي لا تشير إلى حالة كليّة، بل إلى ديناميّة قد تكون أشدّ أو أضعف، أكثر أو أقلّ حضورًا، وأكثر أو أقلّ استبطانًا. يمكن أن تُعاش كحماية أو كقيد، وأحيانًا الاثنيْن معًا. ومن ثمّ يجد الفاعلون أنفسهم في روابط ملتبسة، حيث تتجاور التبعيّة مع الرّغبة في الاستقلال، والولاء مع النّقد، والدّيْن مع تحوّله أحيانًا إلى ضغينة.
فالانفصالات الحقيقيّة لا تُفرض، بل تُبنى، وتُرمّز، وتُعاش. وهي تستلزم إعادة تشكيل الهويّات، ومعالجة مسألة الدّيْن، وإعادة تعريف العلاقة مع الآخر. كما يفترض أي تحوّل جديّ إعادة تركيب موازين القوى على المستوى الإقليمي، ما يعني أنّه لا يمكن اختزاله في مجرّد تعديل استراتيجيّ. ويبقى السّؤال الّذي يتكرّر، كنقطة انسداد وانفتاح في آن: كيف يمكن أن تتحرّر ذات، فرديّة كانت أم جماعيّة، من دَيْن شكّل حتّى الآن شرطًا لاستمرارها؟
مواضيع ذات صلة :
إيران: باكستان منعتنا من الرد على قصف لبنان! | القيادة الأميركية: جاهزية مستمرة رغم وقف الهجوم | بين إيران وأميركا… تطويق النفوذ الإيراني وترامب يحتفظ بخطوطه الحمراء |




