مضيق هرمز: تحويل مسارات ملاحة وفرض رسوم مثير للجدل وإعادة إغلاق

ترجمة هنا لبنان 10 نيسان, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

ما إن أُعيد فتحه حتى أُغلق مجدّدًا، فبعد أن استعاد مضيق هرمز نشاطه لفترة وجيزة عقب إعلان اتّفاق وقف إطلاق النّار بين طهران وواشنطن مساء الثلاثاء، عاد وخضع لنظام إغلاق مساء الأربعاء. وجاء ذلك على خلفيّة ضربات إسرائيليّة مكثّفة على بيروت، اعتبرتها إيران خرقًا للهدنة المعلنة في اليوم السّابق، ما دفعها إلى إعادة إغلاق الممرّ.
ومع أكثر من 800 سفينة محجوزة حاليًّا، أو في وضع انتظار، وفق ما أفادت به صحيفة لويدز ليست LIoyd’s List البحريّة، أعادت طهران تجميد المرور البحريّ، ما أدّى إلى شلّ حركة الملاحة، وتصعيد التوتّر في واحد من أهمّ شرايين التّجارة العالميّة.
وقبل ذلك بساعات، سجّلت الحركة عودة خجولة. فوفق بيانات التتبّع البحريّ، عبرت المضيق ثلاث سفن عقب الاتّفاق. وغادرت سفينة دايتونا بيتش، الّتي ترفع علم ليبيريا، ميناء بندر عباّس في الثّامن من نيسان عند السّاعة الخامسة والثّماني والعشرين دقيقة صباحًا، بتوقيت غرينتش، تلتها ناقلة البضائع اليونانيّة NJ Earth عند الثّامنة وأربع وأربعين دقيقة صباحًا. كما عبرت سفينة الحاويات كريبي، التّابعة لشركة CMA CGM، عبر ممّر يخضع للسّيطرة الإيرانيّة.
والجدير بالذّكر أنّ حركات المرور هذه جاءت بعد أن أوضح وزير الخارجيّة الإيرانيّ عباس عراقجي إنّه سيُسمح للسّفن بعبور المضيق ضمن فترة أسبوعيْن، “بالتّنسيق مع القوّات المسلّحة الإيرانيّة، ومع مراعاة القيود التقنيّة”.
مع ذلك، بقيت الشّكوك كثيرة رغم هذا الإعلان. فبينما تحدّثت طهران عن عبور آمن إنّما مُقنَّن، أكّد الرّئيس الأميركيّ على “فتح كامل، وفوريّ، وآمن”، ما ترك شروط العبور الفعليّة، وموعد سريان الهدنة، ومتطلّبات السّلامة في حالة غموض.
وفي الوقت عينه، برزت مسألة حسّاسة أخرى: احتمال فرض رسوم على المرور. إذ تدرس إيران فرض مقابل ماليّ على عبور المضيق، بهدف تمويل إعادة الإعمار. وتشير معلومات غير مؤكّدة إلى أنّ التّعرفة قد تصل إلى مليونيْ دولار لكلّ سفينة، بينما يدرس البرلمان الإيرانيّ مشروع قانون لتنظيم هذا الإجراء.

تحويل مسارات الملاحة
في الظّروف العاديّة، يعمل مضيق هرمز وفق نظام معترف به عالميًّا من المجتمع البحريّ الدوليّ. ويقوم هذا النّظام، المعروف بنظام فصل الحركة البحريّة (Traffic Separation Scheme)، على مساريْن منفصليْن: أحدهما للسّفن الدّاخلة إلى الخليج، والآخر للسّفن الخارجة منه، يبلغ عرض كل منهما أميالًا بحريّة متعدّدة، وتفصل بينهما منطقة عازلة، لضمان مرور السّفن بشكل آمن ومنظّم.
يضمن هذا النّظام مرورًا آمنًا وسلسًا في مساحة ضيّقة جدًّا، تصل إلى نحو 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة، موزّعة بين مياه إيران الإقليميّة، وسلطنة عُمان.
إلّا أنّ التوتّرات العسكريّة الأخيرة دفعت السّلطات الإيرانيّة إلى تعديل هذه القواعد بشكل جذريّ. فالسّفن مُطالبة الآن، لا بل مُلزَمة بالاقتراب من السّواحل الإيرانيّة لعبور المضيق، بعد التّنسيق مع القوّات البحريّة لحرس الثّورة الإسلاميّة. وتبرّر طهران هذا التّحويل بضرورات أمنيّة، مؤكّدة إنّ بعض أجزاء المسارات التقليديّة قد تكون مزروعة بالألغام.
في الواقع، يتيح هذا التّغيير أن تمارس إيران سيطرة مباشرة على حركة الملاحة، أكثر من أي وقت مضى. فإرغام السّفن على الاقتراب من سواحلها، يمكّنها من مراقبتها، ومرافقتها، لا بل اعتراضها بسهولة أكبر. وهكذا، تصبح الآن حريّة الملاحة، المكفولة بالقانون الدوليّ، تحت رحمة الشّروط الإيرانيّة.

رسم عبور غير رسميّ
إلى جانب السّيطرة المباشرة على المرور، يثير احتمال فرض إيران رسم عبور على السّفن قلقًا واسعًا. ولا يعني هذا ضريبة رسميّة في الوقت الرّاهن، بل دفعات غير معلنة، تعادل مصاريف “تأمين” السّفن، أو مرافقتها، أو تسهيل عبورها في منطقة عالية التّواجد العسكريّ.
وتبقى المبالغ المتداولة عرضة للتّغيير، مع تقديرات تشير إلى مفاوضات حول رسوم قد تصل إلى مليونيْ دولار لكلّ سفينة. وقد لا تمرّ هذه المدفوعات عبر القنوات المصرفيّة التقليديّة في بعض الحالات، بسبب العقوبات الدوليّة المفروضة على إيران. بالتّالي، يفتح هذا الأمر الباب أمام آليّات بديلة، تشمل الدّفع بعملات أجنبيّة عبر وسطاء، أو على نحو هامشيّ، بعملات رقميّة، من أجل تجاوز القيود الماليّة، وضمان قدر من سريّة المعاملات.
وقد تمهّد هذه الآليّة الغامضة حتّى الآن، لتطوّر أكثر تنظيمًا. وتشير النّقاشات الداخليّة في إيران إلى إمكان إضفاء إطار قانونيّ على عبور السّفن عبر المضيق، بينما يدرس البرلمان الإيرانيّ مشروع قانون يهدف إلى تنظيم نظام الرّسوم على المرور.
وعلى مستوى القانون الدوليّ، المسألة محسومة. فقد كرّست اتفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار مبدأ المرور العابر في المضائق الدوليّة، بما يضمن حقّ المرور المستمرّ، والسّريع، والخالي من العوائق لجميع السّفن. ومن النّاحية النظريّة، لا يجوز لأي دولة مطلّة أن تفرض الحصول على إذن مسبق لهذا المرور، أو تسديد رسوم.
وستكون أي محاولة لإضفاء الطّابع الرسميّ على فرض الرّسوم على المرور، من النّاحية القانونيّة، قابلة للطّعن، على الأقلّ على الورق. أمّا على أرض الواقع، وبالنّظر إلى التطوّرات الأخيرة، لم يعدِ للقانون مكان فعليّ. ويبدو تطبيق القوانين والاتفاقيات في هذا السّياق أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ما يفسح المجال أمام منطق القوّة، حيث تتداخل اعتبارات الأمن، والرّدع، والمصالح الاقتصاديّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us