إسرائيل ولبنان: بين الآمال والعقبات

ترجمة هنا لبنان 11 نيسان, 2026

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

سيجلس دبلوماسيّون إسرائيليّون ولبنانيّون يوم الثلاثاء في واشنطن، إلى طاولة واحدة وللمرّة الأولى منذ عقود، برعاية أميركيّة، وعلى جدول أعمال يختصر كل شيء: نزع سلاح حزب الله، والسّلام. يدخل لبنان هذه القاعة بجيوب خاوية، وبلد مدمَّر، ونادرًا ما تكون هذه الوضعيّة هي الفضلى في أي تفاوض.
السّؤال الّذي يفرض نفسه منذ اللّحظة الأولى هو ميزان القوى. فلبنان يفتقر إلى الأوراق. ولا يملك سوى الأنقاض. وجزء كبير من البلاد مدمّر. والدولة اللبنانيّة تخرج من هذا النّزاع بوضع أكثر هشاشة. أمّا حزب الله، فبتعنّتٍ بعيد عن المنطق، وانتحاريّ بالنسبة إلى الشّعب، يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل ويواصل إطلاق النّار على الأراضي الاسرائيليّة، وكأنّ الحرب بلا نهاية. ومن جهتها، حدّدت إسرائيل شروطها بوضوح: مفاوضات مباشرة، نعم، إنّما تحت النّار؛ وما من وقف لإطلاق النّار قبل التوصّل إلى اتّفاق.
مع ذلك، عقارب السّاعة تدور، والوقت يمرّ. ونحو مليون نازح من جنوب لبنان، ومن ضاحية بيروت الجنوبيّة يعيشون منذ أشهر في مناطق أخرى: في جبل لبنان، وفي الشّمال، وفي البقاع. وهذا النّزوح الواسع لا يشكّل مجرّد مأساة إنسانيّة. إنّه قنبلة مجتمعيّة موقوتة. فكلما تأخّرت العودة، ارتفع منسوب التوتّر بين المجتمعات المضيفة والنّازحين. أمّا الاحتكاكات، فهي أصلًا موجودة. ويُعزى ذلك إلى تغلغل كوادر من حزب الله، وضبّاط إيرانيّين من الحرس الثوريّ بين المدنيّين في أحياء موصوفة بـ”الآمنة”، ما يحوّل السكّان إلى دروع بشريّة.
ذاكرة لبنان مُثقلة بحركات نزوح، تتحوّل إلى إقامة دائمة، وأخرى مؤقّتة تستمرّ عشرات السّنين. وإذا لم يُبرَم اتّفاق بسرعة، فالمليون هذا مرشّح لأن يكرّس تصدّعات داخليّة يعجز البلد على استيعابها.
مع ذلك، تتصدّر مسألة نزع سلاح سلّم الأولويّات الوطنيّة. ولا تُطرح المسألة حول ما إذا كان ذلك مرغوبًا فيه، فالأمر محسوم وبديهيّ لكلّ من يطمح إلى لبنان سيّد، وحرّ، ومستقلّ. وتبقى المسألة الجوهريّة: من يملك القدرة على فعل ذلك، وكيف؟
الجيش اللبنانيّ؟ تملك المؤسّسة العسكريّة العديد اللّازم. وتتمتّع بالشرعيّة الدستوريّة. غير أنّها تفتقر إلى العتاد، والموارد الماليّة، والقدرة العملياتيّة لتنزع بالقوّة سلاح حزب يضمّ عشرات الآلاف من المقاتلين، ويملك ترسانة قد تحسده عليها دول نظاميّة كثيرة. بمفرده، يعجز الجيش عن ذلك. أمّا مع دعم دوليّ واسع النّطاق، ومقرون بالتّدريب، والتّمويل، والغطاء السياسيّ، فيختلف الأمر. غير أنّنا سوف ننتظر دائمًا هذا الدّعم، ما دامت إيران تمدّ حزب الله بمقوّمات الحياة.
تدخل هنا المعادلة الإيرانيّة على خطّ الأحداث. ويعيد إضعاف طهران عسكريًّا واقتصاديًّا رسم الحسابات. فإيران المثقلة بالضّغوط، والمنخرطة في مفاوضات مع واشنطن لضمان بقائها، لم تعد تملك القدرة الكافية لحماية أذرعها. وإذا أبصر اتّفاق أميركيّ-إيرانيّ النّور، وهو احتمال جدّي في الأسابيع المقبلة، فقد يتضمّن بندًا، صريحًا أو ضمنيًّا، يتناول مسألة التخلّي عن حزب الله. فقد سبق أن فعلت إيران ذلك في 2006، ثمّ في 2024، ومجدّدًا هذا الأسبوع. أمّا الفارق اليوم، فهو أنّ التخلّي ممهور بتوقيع رسميّ.
سيفتح سيناريو مماثل أفقًا لم يعرفه لبنان منذ عام 1990. فحزب الله المجرّد من راعيه، ومن سلاحه، ومن تمويله، سيجد نفسه أمام خيار مصيريّ: إمّا أن يتحوّل إلى حزب سياسيّ صرف، أو أن يتلاشى بالكامل. وهذا ليس ضربًا من الخيال، بل هو ما شهدته ميليشيات أخرى في تجارب مختلفة، حين توافرت الإرادة السياسيّة الدوليّة.
كيف قد يبدو اتّفاق مماثل؟ سيشكّل على الأرجح مزيجًا من عناصر متكاملة: انتشار معزّز للجيش اللبنانيّ في الجنوب، ترافقه بعثة تحقّق دوليّة ذات مصداقيّة، لا تشبه قوّات اليونيفيل بوضعها الحاليّ المشلول والعاجز، وأكثر صلابة منها. يتضمّن أيضًا جدولًا زمنيًّا لنزع السّلاح بشكل تدريجيّ، مدعوم بضمانات اقتصاديّة للبنان، وأخرى أمنيّة لإسرائيل. وفي الخلفيّة، إطار تفاهم أميركيّ-إيرانيّ، يجرّد حزب الله من مبرّر وجوده الاستراتيجيّ، ويضع حدًا لدوره العسكريّ.
يبقى هذا السّيناريو هشًّا. ويقوم على تقاطع مصالح يفتقر إلى ضمانة لتحقيقه. مع ذلك، وللمرّة الأولى منذ زمن، تبدو الظّروف الموضوعيّة مهيّأة لبلورة حلّ ممكن. فإيران منهكة، وحزب الله نازف، وإسرائيل تبحث عن استقرار حدودها الشماليّة، بينما الولايات المتّحدة تتطلّع إلى إبرام تسوية.
يدخل لبنان الثلاثاء هذه القاعة بجيوب فارغة. غير أنّ هذا الفراغ بحدّ ذاته هو ما يزوّد بالشّجاعة لربح كل شيء.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us