ماذا بعد إسلام أباد؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتب ديفيد هيل لـ”This is Beirut“:
مهما اختلفت الآراء حول نهج إدارة ترامب تجاه إيران، فقد عكست 21 ساعة من المحادثات، قادها نائب الرّئيس الأميركيّ، جديّةً واضحةً في المقاربة الدبلوماسيّة. مع ذلك، لم يكن من المتوقّع أبدًا ردم الفجوة الواسعة بين أهداف واشنطن وطهران في يوم واحد. فمنذ الثّورة الإيرانيّة عام 1979، حاول ثمانية رؤساء أميركيّين توظيف مختلف أدوات السّياسة الخارجية بهدف تغيير سلوك إيران، غير أنّ أي نهج كان يُستبدل تدريجيًّا كل بضع سنوات مع تغيّر الإدارة، أو الكونغرس، أو تبدّل في الموقف والرّأي.
في المقابل، وحتّى وقت قريب، لم يتوالَ على إيران سوى زعيميْن استبداديّيْن. وتعلّمت الأخيرة انتظار تبدّل السّياسات في واشنطن، إدراكًا منها أنّ الإدارات الأميركيّة والرّأي العام، غالبًا ما يفقدان الزّخم وينصرفان إلى قضايا أخرى. فلمَ الاستجابة لضغوط واشنطن إذا كانت تعتقد أنّ الوقت كفيل بإعادة فتح مسارات تسمح باستئناف سياسات التّرهيب والعنف داخليًّا وخارجيًّا؟
لا شكّ في أنّ هذا ما تراهن عليه طهران اليوم. ويملك الرّئيس ترامب، مع بقاء ثلاث سنوات من ولايته، فرصةً لإثبات العكس وإحداث تحوّل ملموس في ميزان القوى في المنطقة، لصالح الولايات المتّحدة منذ عام 2023. لكنّ النّتائج، بطبيعتها، لن تكون فوريّة.
بشكل عام، يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات لما بعد إسلام آباد. يتمثّل الأوّل في استئناف المسار الدبلوماسيّ في ما يُسمّى بـ”وقف إطلاق النّار” الممتدّ على فترة أسبوعيْن. غير أنّه من الصّعب تصوّر ما الّذي يمكن أن تحقّقه جولات إضافيّة من المحادثات لتجاوز العقبة الجوهريّة المتمثّلة في طموحات إيران النوويّة. وتشير تصريحات فريق ترامب الأوليّة إلى غياب رغبة حقيقيّة في المزيد من المفاوضات رفيعة المستوى.
أمّا السّيناريو الثّاني فهو استئناف حرب شاملة، وهو خيار يلمّح إليه ترامب من دون أن يعلنه بصراحة. وإن لم تغيّر خمسة أسابيع من العمليّات العسكريّة الأميركيّة والإسرائيلية المكثّفة ضدّ إيران موقف طهران التفاوضيّ، فمن غير المرجّح أن تؤدّيَ موجات تصعيد إضافيّة إلى نتيجة مختلفة. لا بل قد لا يُفضي المزيد من التّصعيد إلى فتح مضيق هرمز، وقد يشمل استهداف البنية التحتيّة المدنيّة، بما من شأنه أن يزيد من حدّة الانقسامات السياسيّة في الولايات المتّحدة حول الحرب.
أمّا السّيناريو الثّالث فيتطلّب نهجًا طويل الأمد. وأكثر تعبير يُستخدم في الولايات المتّحدة لوصفه هو “جزّ العشب”، حيث تنفّذ الولايات المتّحدة وإسرائيل، بشكل دوريّ، عمليّات عسكريّة ضدّ البرامج النوويّة والصاروخيّة الإيرانيّة، إضافةً إلى قدراتها العسكريّة وأذرعها الإقليمية، بهدف إضعافها تدريجيًّا. غير أنّ هذا النّهج، بمفرده، لا يبدو كافيًا.
سيكون الأكثر نجاحًا جعل عمليّة “جزّ العشب” الضروريّة، جزءًا من استراتيجيّة دولية أوسع: توظيف مختلف أدوات القوّة لدى الولايات المتّحدة وحلفائها، من أجل مواصلة الضّغط السياسيّ، والاقتصاديّ، والعسكريّ، والاستخباراتيّ على إيران. وقد يحظى هذا النّهج بدعم دوليّ أوسع، إذ لم تكن دول الخليج العربيّة أقرب إلى الولايات المتّحدة ممّا هي عليه اليوم، في ظلّ إدراكها المتزايد لحجم التّهديد الإيرانيّ. كما يستعدّ تحالف تقوده بريطانيا للمساهمة في تعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز، غير أنّ ذلك يبقى مرهونًا بانتقال العمليّات الأميركيّة – الإسرائيليّة من مرحلتها المكثّفة. كذلك أبدت الصّين، سواء بشكل مباشر أو عبر باكستان، اهتمامًا بضمان حريّة الملاحة عبر المضيق. وفي هذا السّياق، من المرجّح أن يزداد الضّغط على إيران للتخلّي عن ادّعائها غير الواقعيّ بالسّيطرة على هذا الممرّ المائيّ.
إيران ليست الاتّحاد السوفياتيّ، لكنّ تجربة نهاية الحرب الباردة تبقى غنيّةً بالعبر. فقد اعتمدت الولايات المتّحدة، ضمن تحالف دوليّ واسع، استراتيجيّةً متعدّدة الأبعاد، قوامها الضّغط المستمرّ على موسكو، والاحتواء المنهجيّ لها. وكانت كلفة الصّراع ومخاطره على الولايات المتّحدة أعلى بكثير ممّا هي عليه في مواجهتها مع إيران اليوم، ما جعلها مستعدّةً لتحمّل أثمان أكبر في سبيل تحقيق النّتيجة، مقارنةً بما هو ممكن أو مطلوب في الحالة الإيرانيّة.
آنذاك، لم يتوقّع الكثيرون الانتصار، أو لم يتصوّروا حتّى احتمال انهيار الاتّحاد السوفياتيّ. مع ذلك، حدث ذلك بفعل إصرار أميركيّ، وبسبب الإفراط في التوسّع السوفياتيّ، إضافةً إلى ما أصاب المشروع السوفياتيّ من إنهاك سياسيّ، وأخلاقيّ، واقتصاديّ، قاده إلى التفكّك.
وعلى المدى البعيد، قد لا يكون هناك سوى نهج واحد كفيل بالحدّ من السّلوك الإيرانيّ المضرّ، وربّما تغييره: استراتيجيّة طويلة الأمد، متعدّدة الأدوات وحازمة، تقوم على عزل إيران بشكل منهجيّ في المجالات كافّة. ويمكن أن يشمل ذلك تقييد روابطها البحريّة والجويّة، ومقاطعة صادراتها، وإنهاء قدرتها الفعليّة على الوصول إلى النّظامَيْن المصرفيّ والماليّ الدوليّيْن، فضلًا عن الردّ على التّهديدات عند ظهورها.
وقد يساهم هذا النّهج في زيادة الضّغوط الداخليّة على النّظام، على الرغم من أنّ الإشارات الصّريحة إلى تغيير النّظام كهدف معلن، غالبًا ما تأتي بنتائج عكسيّة.
وفوق كل شيء، الحاجة إلى دعم بنّاء من الحلفاء ذوي التوجّهات المشتركة ملحّة، ويتعيّن أن نطالب به، ما يعني احترام كونهم كيانات ذات سيادة. يتطلّب الحصول على هذا الدّعم قدرًا كبيرًا من الإقناع والمرونة، لكنّه يستحقّ الجهد. وإذا كان المطلوب انخراط الدول في هذه المقاربة، فإنّها ستطالب بالمشاركة في صياغة تفاصيلها. كما أنّ سعي إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على العالم، سيدفع الأطراف الدوليّة الرّئيسية إلى الاصطفاف حول استراتيجيّة مضادّة، قد تشمل استخدام القوّة للحفاظ على حريّة الملاحة، إذا أظهرت الولايات المتّحدة مرونةً، وإصرارًا، واستعدادًا لتوظيف مجموعة واسعة من الأدوات المتاحة لديها.
طهران في أضعف حالاتها على الإطلاق، على الرغم ممّا تبديه من تحدٍّ. وفي إعلان الولايات المتّحدة النّصر ثمّ الانسحاب، فرصة يصلّي القادة الإيرانيّون من أجل الحصول عليها، لإعادة بناء قدراتهم، واستعادة نفوذهم. لذلك، ما من سبيل إلى التخلّص من التّهديد الإيرانيّ سوى في نهج طويل الأمد.
مواضيع ذات صلة :
ما العمل بعد فشل المفاوضات في إسلام أباد؟! |




