ما العمل بعد فشل المفاوضات في إسلام أباد؟!

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
خمسة عشر ساعة. هذا هو الوقت الذي استغرقتْه مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتّحدة وإيران. خمسة عشر ساعة من نقاشات ماراثونيّة، مع جولات ثلاث من المحادثات، في حضور وفد إيرانيّ ضمّ سبعين شخصًا، ارتدَوْا جميعهم الأسود حدادًا على مرشدهم الأعلى خامنئي، وكأنّهم أرادوا إعلان حضور الموت في القاعة منذ اللّحظة الأولى. وفي النّهاية… لا شيء.
عاد جيه. دي. فانس أدراجه إلى واشنطن معلنًا تقديم “العرض النهائيّ الأفضل”. طهران لم تُوافق. وباكستان ناشدت الطّرفيْن الالتزام بوقف إطلاق النّار، بينما صرّح دونالد ترامب في وقت سابق بعدم أهميّة النّتيجة، معلنًا فوز الولايات المتّحدة سلفًا.
على هذا الفراغ المقلق، استيقظ العالم صباح الأحد. لا حرب، ولا سلام. وهدنة هشّة تمتدّ على أسبوعيْن معلّقة بخيطٍ رفيعٍ. ومضيق هرمز لا يزال مُغلقًا بقرار نظام الملالي الّذي يتلاعب بمسارات النّفط العالميّ كما لو كان يتكلّم عن فنائه الخلفيّ. ودولتان، تفصلهما هاوية من انعدام الثّقة، حفرتها الجمهوريّة الاسلاميّة منذ 1979 حين وضعت المواجهة مع الغرب كأساس لشرعيّتها.
أمّا السّؤال، فهو التّالي: ماذا علينا أن نتوقّع الآن؟
ثلاثة سيناريوهات مطروحة على الطّاولة، ولا يبعث أيّ منها على الاطمئنان.
السّيناريو الأوّل هو استئناف الضّربات الأميركيّة على إيران. قالها ترامب مرارًا وتكرارًا. وأرسل فريقه التفاوضيّ إلى إسلام آباد كإنذار مُغلّف بالدبلوماسيّة. في حال لم يقل الملالي “نعم” بشكلٍ سريعٍ، فهذا لأنّهم يراهنون على أنّ الرّئيس الأميركيّ يُراوغ، أو أنّ الأسواق الماليّة وسعر النّفط سيكبحانه. لكنّ ترامب الّذي سبق أن ضرب مرّة، يستطيع الضّرب مرّةً ثانيةً.
والسّيناريو الثّاني هو التّفاوض المؤجَّل. نوع من الـ”لا فشل” المُدبَّر، يقبل فيه الطّرفان ضمنيًّا بتمديد وقف إطلاق النّار من دون صياغة اتّفاق رسميّ. إنّه سيناريو “الوضع القائم” غير المستقرّ: مُريح على المدى القصير، إنّما خطير على المدى المتوسّط. وهو أيضًا سيناريو طهران المفضّل، هي الّتي أتقنت فنّ كسب الوقت والمُراوغة. ذلك الوقت الّذي استغلّته على مدى عقود في تخصيب اليورانيوم، وتسليح أذرعها.
أمّا السّيناريو الثّالث، وهو الأقلّ احتمالًا إنّما ليس مستحيلًا، فيتمثّل في استئناف المحادثات بصيغةٍ جديدةٍ، بعد أن تتأكّد إيران من حصولها على ما يكفي من الضّمانات لتعود إلى طاولة المفاوضات. ولكن دعونا لا نخطئ في التّقدير: إيران الّتي تعود إلى التّفاوض هي نظام يسعى إلى البقاء. فالملالي لا يُغيّرون طبيعتهم تحت الضّغط، بل يغيّرون تكتيكاتهم.
لأنّ إسلام آباد أكّدت ما كان معروفًا: تعجز الجمهوريّة الإسلامية عن التوصّل إلى اتّفاق. ليس لخللٍ في القوّة لديها، بل في البُنية. فخامنئي مات. ومسألة خلافته لم تُحسم. والحرس الثوريّ فقد الآلاف من كوادره منذ الثّامن والعشرين من شباط. مع ذلك، وحتّى في هذا الوضع المتداعي، أرسل النّظام وفدًا يقوده غاليباف، قائد الحرس السّابق، والمتشدّد حتّى الرّمق الأخير، ليطرح شروطًا قُصوى على طاولة لم يعد يملك عليها أوراقًا حقيقيّةً. سيادة كاملة على مضيق هرمز، وتعويضات حرب، وإفراج عن أصول… الكثير من المطالب صيغت لضمان عدم التوصّل إلى اتّفاق، وليس العكس. الاستفزاز رُفع إلى مرتبة منهجٍ دبلوماسيٍّ، ومزايدةٍ محفوفةٍ بالمخاطر.
وهنا يدخل حزب الله اللّعبة. فبينما تظاهر أسياده بالصّلابة في إسلام آباد، واصلت الميليشيا الموالية لإيران إطلاق الصّواريخ على إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة. فحزب الله المُشرذم، والمُهان، والمحروم من معظم قياداته، يبقى ناقمًا، ومتشبّثًا بدوره كذراع إيرانيّة، بالغلوّ عينه الّذي يتشبّث فيه الغريق بوزره. وتدعو الميليشيا غير الشرعيّة المسؤولين اللبنانيّين إلى عدم تقديم “تنازلات مجانيّة” إلى إسرائيل، وهي الّتي فرّطت بسيادة لبنان، وبحياة شعبه لمصلحة طهران حصريًّا.
من هنا بالضّبط، في فشل إسلام آباد، وفي شلل إيران، وفي إنهاك حزب الله، تنبثق فرصة للبنان على نحوٍ مفارقٍ: إذ سيلتقي دبلوماسيّون لبنانيّون وإسرائيليّون الثلاثاء في واشنطن وجهًا لوجه. وهي سابقة منذ 44 عامًا، قد لا تملك إيران القدرة على إفشالها بشكل مباشر. فطهران خسرت حزب الله، الفاعل الّذي يفرض شروطه على الحكومة اللبنانيّة. وفي الوقت عينه، خسرت الوسائل الّتي تمكّنها من تعطيل الملفّ اللبنانيّ، ومن التّفاوض حول بقائها النوويّ. وها هي إيران الّتي حوّلت لبنان إلى ساحة حربٍ بالوكالة، تنشغل الآن في مكان آخر.
للمرّة الأولى، يملك لبنان فرصة للتّفاوض باسمه؛ وليضع شروط علاقة تربط بين دولتَيْن جارتَيْن لم تعرفا يومًا السّلام؛ وليوقف الحروب الدّائمة المفروضة، الّتي كلّفت لبنان الكثير، حتّى وجوده. يستطيع لبنان أن يفاوض مباشرةً على وقف إطلاق نار، وعلى ترسيم الحدود الجنوبيّة بشكل واضح، وعلى انسحاب إسرائيليّ مقابل سيادة لبنانيّة حقيقيّة ومعلنة. هذا ليس استسلامًا. إنّها سياسة خارجيّة مسؤولة، ورفاهية لم يعرفها لبنان منذ مصادرتها من سوريا الأسد، ومن ثمَّ إيران.
لكنّ هذه الفرصة قد تضيع في أي لحظة. إذا استُؤنفت المفاوضات في إسلام آباد، أو إذا استعادت إيران أوراق الضّغط الّتي كانت بحوزتها، أو إذا حاول حزب الله الانقلاب داخليًّا. لا يخوض لبنان الثلاثاء في واشنطن مجرّد هدنة. ربّما يخوض فرصته الأخيرة في أن يختار معسكره عن وعيٍ وإدراكٍ، بدل أن يُفرض عليه مرّةً جديدةً.
نادرًا ما يمنح التّاريخ الفرصة عينها مرّتيْن. لقد منحها عام 1983. ولم يقتنصها لبنان. وها هي تعود اليوم، وسط فوضى سائدة بعد ما حصل في إسلام آباد، لم يتوقّعها أحد. لا يكمن السّؤال في معرفة إن كان التّوقيت مثاليًّا. فهو ليس كذلك. لا بل يكمن السّؤال في معرفة إن كان لبنان يملك أخيرًا الإرادة كي يحكم نفسه بنفسه؟ منفردًا. وللمرّة الأولى منذ 1943.
مواضيع ذات صلة :
ماذا بعد إسلام أباد؟ |




