الزّراعة اللبنانيّة في زمن الحرب: الجنوب في قلب الصّدمة

ترجمة هنا لبنان 15 نيسان, 2026

كتب Marc-Jérémie Boulos  لـ”Ici Beyrouth”:

 

بينما تتواصل الأعمال العدائيّة، ومع بقاء الحصيلة غير مكتملة، يواصل القطاع الزراعيّ اللبنانيّ انزلاقه نحو أزمة عميقة. فهذا القطاع، الّذي أضعفته سنوات من عدم الاستقرار الاقتصاديّ، يتعرّض اليوم لتداعيات حرب تُعيد رسم التّوازنات الريفيّة في البلاد على نحو طويل الأمد، لا سيّما في الجنوب.

قطاع حيويّ يتلقّى ضربة قاسية

بحسب الدّكتورة مايا نعمة، مديرة “المبادرة اللبنانيّة لإعادة التّشجير”، في مقابلة مع موقع “Ici Beyrouth”: “شكّلت الزّراعة بين عاميْ 2019 و2024 نحو 8% من النّاتج المحليّ الإجماليّ اللبنانيّ”، لكنّ هذه الرّكيزة الخفيّة إنّما الأساسيّة، أصبحت اليوم في غاية الهشاشة”.

وخلال حرب عام 2024 بين إسرائيل وحزب الله، تضرّر أكثر من 2193 هكتارًا من الأراضي الزراعيّة، بحسب ما تضيف. ووفق تقييم سريع للأضرار أجرته مجموعة البنك الدوليّ، بلغت الخسائر في قطاعيْ الزّراعة والأمن الغذائيّ 742 مليون دولار، فيما وصلت احتياجات إعادة الإعمار إلى 472 مليون دولار.

لكنّ مرحلة التّعافي لم تتحقّق فعليًّا. وتوضح المتخصّصة أنّ “الفترة الفاصلة بين الحربيْن لم تسمح بتعويض الخسائر”. ويُقدَّر أنّ الأضرار اليوم تفوق تلك المسجّلة في عام 2024 بثلاثة أضعاف على الأقلّ، ما يرفع إجماليّ الخسائر وكلفة إعادة التّأهيل إلى نحو 3 مليارات دولار.

الجنوب: ركيزة زراعيّة في خطر

يحتلّ جنوب لبنان موقعًا استراتيجيًّا في المشهد الزراعيّ الوطنيّ، إذ يؤمّن وحده نحو 10% من الإنتاج الزراعيّ في البلاد، وترتفع هذه النّسبة إلى 15% إذا أُضيف إليه جنوب البقاع، بحسب ما تؤكّد نعمة.

وتُعدّ المنطقة أساسيّة في إنتاج الموز والحمضيّات (البرتقال واللّيمون الحامض)، وزيت الزّيتون، والأعشاب العطريّة مثل الزّعتر، فضلًا عن الخرّوب. كما شهدت في السّنوات الأخيرة توسّعًا ملحوظًا في زراعة الأفوكادو.

وتسهم سهول الجنوب أيضًا في إنتاج محاصيل أساسيّة مثل القمح والعدس والحمّص، فضلًا عن مجموعة واسعة من الخضار الموسميّة.

ويستفيد الجنوب من ظروف مناخيّة خاصّة، أكثر دفئًا ورطوبةً، ما يؤمّن نموّ المحاصيل بشكل أسرع، ويُتيح زراعة أنواع تتطلّب حرارة مرتفعة. وعلى الرغم من عدم وجود محاصيل حصريّة في المنطقة، تحقّق زراعات مثل الموز واللّيمون فيها إنتاجيّة يصعب بلوغها في مناطق لبنانيّة أخرى.

لذلك، يستحيل تعويض خسارة هذه الأراضي بسهولة.

تراجع الإنتاج

على أرض الواقع، تتجلّى التّداعيات فورًا: تراجع حادّ في الإنتاج الزراعيّ، وخسائر واسعة في فرص العمل، واضطّراب كبير في القنوات الاقتصاديّة. فقد تعرّضت البنى التحتيّة الزراعيّة، من مزارع وأسواق وأنظمة ريّ، لدمار واسع. ويضاف إلى ذلك فقدان الثّروة الحيوانيّة، ما يزيد من هشاشة سبل عيش المزارعين. ولكن ما يتجاوز الأرقام هو انهيار منظومة اجتماعيّة كاملة. وتقول نعمة: “انقطعت سلاسل القيمة، كما انقطعت الرّوابط المباشرة بين المنتجين والمستهلكين والأسواق”.

كارثة بيئيّة صامتة

لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الاقتصاديّ، إذ تتحمّل البيئة أيضًا كلفة باهظة. فدمار الأراضي الزراعيّة ترافقه خسارة ملموسة في التنوّع البيولوجيّ، النباتيّ والحيوانيّ على حدٍّ سواء.

والأخطر من ذلك، تلوّث التّربة بالمعادن الثّقيلة، ما يجعل أي عودة سريعة إلى الإنتاج أمرًا غير ممكن. وتوضح المتخصّصة أنّ “هذه الأراضي ستحتاج إلى عمليّات معالجة قبل أي إعادة زراعة”، وهي عمليّة طويلة ومكلفة ومعقّدة من النّاحية التقنيّة.

نحو خطرٍ متزايدٍ على الأمن الغذائي

في بلدٍ محدود المساحة وعالي الكثافة السكانيّة، تمثّل خسارة نحو 15% من الأراضي الزراعيّة تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائيّ.

وأمام هذا الواقع، تُطرح استراتيجيّة ارتداديّة، تقوم على إعادة إطلاق الإنتاج في مناطق أخرى لتعويض خسائر الجنوب، إلّا أنّ هذا الحلّ يبقى مؤقّتًا ومحدود الفاعليّة.

إعادة الإعمار… لكن بأيّ كلفة؟

تتطلّب إعادة بناء القطاع الزراعيّ استثمارات ضخمة، ورؤية طويلة الأمد، وإلّا قد تتحوّل الأضرار الرّاهنة إلى خسائر شبه غير قابلة للتّدارك.

وفي انتظار عودة الاستقرار، تبقى الزّراعة اللبنانيّة، لا سيّما في الجنوب، معلّقة على معادلة غامضة: الصّمود اليوم، على أمل استعادة الحياة غدًا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us