شركات الطّيران الخليجيّة تستأنف نشاطها في بيروت

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth“:
على الرّغم من التوتّرات الإقليمية، وسماء شرق أوسطيّة مُجزّأة، يلوح حراك خجول على مدرج مطار رفيق الحريري الدوليّ. إذ بدأت شركات الطّيران الخليجيّة بالعودة تدريجيًّا، في مشهدٍ يعكس توازنًا هشًّا بين الضّرورات الاقتصاديّة، والهواجس الأمنيّة.
عودةٌ منتظرة… من دون مبالغة في التّفاؤل
بعد أسابيع من الشّلل الجزئيّ النّاجم عن التّصعيد العسكريّ الإقليميّ، والحرب في لبنان، باشرت بعض شركات الطّيران الخليجيّة استئناف رحلاتها إلى بيروت. وتتصدّر هذا المسار الخطوط الجويّة القطريّة، الّتي أعادت تشغيل رحلاتها رسميًّا بوتيرةٍ يوميّةٍ أوليّةٍ، مرشّحةٍ للارتفاع بشكل تدريجيّ.
غير أنّ هذه العودة، على الرغم من رمزيّتها، تبقى محسوبةً. فمعدّلات الإشغال لم تستعد بعد مستوياتها السّابقة، والجداول الزمنيّة لا تزال مرنة، مع تعديلات تُجرى بشكلٍ شبه فوريّ. ويتحرّك قطاع الطّيران هنا، الشّديد الحساسية أمام التقلّبات الجيوسياسيّة، بخطى حذرة.
استئناف تحت رقابة مشدّدة
تتجلّى أسباب هذا الحذر بوضوح. فالمجال الجويّ الإقليميّ لا يزال غير مستقرّ، مع إغلاقات متقطّعة، وتحويلات في المسارات مكلفة. وفي هذا السّياق، يبدو استئناف الرّحلات إلى بيروت أقرب إلى موازنة دقيقة بين المخاطرة والحسابات الاستراتيجيّة.
وتعمد شركات الطّيران الخليجيّة، بما تمتلكه من قدرة على التكيّف، إلى اختبار السّوق تدريجيًّا. فإعادة تشغيل الطّائرات الّتي كانت متوقّفة، وزيادة عدد الرّحلات بشكلٍ متدرّجٍ، يعكسان توجّهًا نحو استعادة الموقع، إنّما من دون اندفاع.
خطوط طيران الشّرق الأوسط: جسر جويّ صامد رغم الظّروف
في هذا المشهد غير المستقرّ، شركة واحدة أبت مغادرة سماء لبنان: “خطوط طيران الشّرق الأوسط”. فعلى الرغم من الحرب، والتوتّرات الأمنيّة، والاضطّرابات الإقليمية، واصلت الشّركة الوطنيّة عمليّاتها، باستثناء الرّحلات الّتي منعها إغلاق بعض المجالات الجويّة.
وقد سمح هذا الخيار، الّذي يجمع بين البُعد الاستراتيجيّ والرّمزيّة، بإبقاء لبنان متّصلًا بالعالم، حين علّقت غالبيّة شركات النّقل الجويّة الدوليّة رحلاتها.
ومن خلال ضمان الاستمراريّة، أحيانًا في ظروف بالغة التّعقيد، رسّخت “خطوط طيران الشّرق الأوسط” موقعها كجسر جويّ يربط بيروت بأهمّ وجهاتها.
دور بيروت المحوريّ كنقطة ارتكاز
على الرغم من الأزمة، تحتفظ بيروت بميزة أساسيّة: فمطارها يبقى المنفذ الجويّ الوحيد للبلاد. ولأنّ إغلاقه غير مطروح حتّى في فترات التوتّر، يتحوّل إلى نقطة عبور استراتيجيّة بالنسبة إلى شركات الطّيران السّاعية إلى الحفاظ على حضورها في المشرق.
في هذا المشهد المضطّرب، تُؤدّي شركات الطّيران الخليجيّة دورًا محوريًّا. فمزاولتها العمل من جديد، ولو بشكل جزئيّ، تتيح إعادة ربط لبنان ببعض المراكز الجويّة الدوليّة، لا سيّما عبر الدّوحة، ودبي، والرّياض، ما يؤمّن للمسافرين بدائل شديدة الأهميّة، وإن محدودة.
ديناميّة تبقى هشّةً
مع ذلك، لا يزال الحديث عن عودة كاملة مبكرًا. إذ لم تستأنف شركات دوليّة كبرى رحلاتها حتّى الآن، بانتظار ضمانات أمنيّة أقوى. وتبقى القرارات قابلة للعكس حتّى بين الفاعلَيْن الإقليميَّيْن.
كما وتظلّ التّكاليف التشغيليّة عالية. فارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب مسارات الالتفاف المفروضة بسبب مناطق الطّيران المحظورة، يُثقلان بشدّة على الهوامش الربحيّة. ويُضاف إلى ذلك طلب لا يزال متردّدًا، تحكمه حالة من عدم اليقين.
بين الفرصة والمخاطرة
تعكس عودة شركات الطّيران الخليجيّة إلى بيروت، التدريجيّة، واقعًا أوسع: ففي شرق أوسطٍ يُعاد تشكيله بفعل النّزاعات، يغدو قطاع الطّيران التجاريّ مؤشّرًا مبكرًا إلى التحوّلات الجيوسياسيّة، وإعادة التّموضع الإقليميّ.
بالنسبة إلى لبنان، لا تمثّل كلّ طائرة تهبط مجرّد رحلة إضافيّة، بل إشارة. فهي دليل على استمرار الارتباط بالعالم الخارجيّ، وعلى اقتصاد يحاول التقاط أنفاسه، وعلى بلدٍ يرفض الانكفاء على الرغم من كل شيء.
ويبقى السّؤال ما إذا كانت هذه الديناميّة قابلة للاستمرار، أم أنّها ستظلّ أسيرة تقلّبات منطقة، تنعكس في سمائها، أكثر من أي وقت مضى، توتّرات الأرض.




