هدنة واحدة ومساران

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth”:
ليست الهدنة الأولى بالنسبة إلى لبنان. فمنذ عقود، تتكرّر فترات التّهدئة كهوامش هشّة في تاريخ مثقل بالأزمات، قبل أن تتبدّد دائمًا تحت وقع الانفجار. وفي كلّ مرّة، يتلاشى أمل العودة إلى الاستقرار الدّائم بفعل المنطق عينه: انقسام داخليّ، وسلاح عصيّ على سلطة الدولة، وتدخّلات خارجيّة.
لم تشكّل هذه الهدن غايةً بحدّ ذاتها، بل كان من المفترض أن تشكّل جُسورًا تؤدّي إلى السّلام. غير أنّها تحوّلت، في الكثير من الأحيان، إلى مجرّد فترات وهميّة عابرة.
لا معنى للهدنة إن لم تؤدِّ إلى سلام ها هي اليوم هدنة جديدة تفرض نفسها. ولكن يتعيّن القول بوضوح: هدنة لا تقود إلى السّلام هي هدنة من دون جدوى. والأسوأ من هذا، قد تتحوّل إلى مجرّد استراحة مؤقّتة، تسبق العاصفة.
لا يمكن أن يكتفيَ لبنان بتعليق الحرب؛ بل يحتاج إلى الخروج منها بشكل نهائيّ. إذ يتعيّن أن ينتهيَ مسار الهدنة بسلامٍ حقيقيٍّ ومستدامٍ، قائمٍ على دولة سياديّة، ومؤسّسات قويّة، واحتكار الدولة وحدها للقوّة الشرعيّة. ومن دون ذلك، ستنضمّ هذه الهدنة إلى سلسلة طويلة من الهدن الّتي انتهت بفشل ذريع.
حزب الله: عائق بنيويّ
لا بدّ من تسمية المسؤوليّات بوضوح. فحزب الله ليس طرفًا مُحايدًا في هذه المرحلة، بل هو في صميم الإشكاليّة. فهو الّذي، عبر قراراته الأحاديّة، جرّ لبنان إلى مواجهاتٍ رفضها اللبنانيّون. وهو الّذي ساهم في فتح جبهات، وفرض منطق حرب دائمة، وحَوّل البلاد إلى ساحة صراع تخدم مصالح تتجاوز حدود الوطن.
حزب الله كناية عن تنظيم مسلّح، قائم على بنية إيديولوجيّة ترتكز على المواجهة، وعلى منظومة ولاء تتجاوز الدولة اللبنانيّة نحو دولة أخرى هي إيران. ولا تنسجم هذه الإيديولوجيا مع فكرة الدولة اللبنانيّة السياديّة، ولم تنسجم معها في أي مرحلة.
تحمل هذه الإيديولوجيا في جوهرها تناقضًا جوهريًّا: فهي تُعيق أي سلام حقيقيّ. ليس مع مكوّنات الوطن الأخرى فحسب، إنّما حتّى على صعيدها الخاصّ. فتنظيم مبنيّ على فكرة الصّراع الدّائم لا يمكنه، بحكم التّعريف، أن ينخرط في منطق استقرار طويل الأمد.
مساران وخيار وشيك
اليوم، يقف لبنان عند مفترق طرق مصيريّ، والوقت يمضي بسرعة. من جهة، هناك مسار “القيامة”: مسار دولة تنهض من كبوتها، وتستعيد سيادتها، وتستجيب أخيرًا لإرادة شعبها: العيش بسلام، وإعادة بناء اقتصاد قابل للحياة، واسترجاع الكرامة الوطنيّة، وتجديد رسالتها الثقافيّة والديمقراطيّة. ومن جهة أخرى، هناك مسار اعتاد عليه اللبنانيّون جيّدًا: مسار تكرار الأزمات، والانهيار الاقتصاديّ، والبؤس الاجتماعيّ، والعنف المزمن. مسار يبقى فيه لبنان رهينة حسابات خارجيّة، ويُستَخدم كورقةٍ في صراعات لا تمتّ إليه بصلة.
أمّا في ما خصّ المسار الثّاني، فلا يقود سوى إلى يقين واحد: تكريس الانحدار.
الوقت للفعل
لم يعد لبنان يملك الكثير من الوقت. أيّام قليلة، وتتّخذ هذه الهدنة اتّجاهًا واضحًا. ولّى زمن البيانات والحسابات. وحان وقت القرارات، والأفعال الّتي ترسم فعلًا مستقبل البلاد، والخيارات الّتي تسترجع سلطة الدولة، وتضع حدًّا لانتشار السّلاح الخارج عن السّيطرة، وتؤكّد على السيادة الوطنيّة.
لم يعد من مجال لوجود الميليشيات، ولا الأذرع المسلّحة الموازية، ولا الولاءات الخارجيّة.
رفض حتميّة القدر
لبنان ليس محكومًا بتكرار تاريخه. ولكي يتحرّر من ذلك، يحتاج إلى الانقطاع عن كل ما أعاده دائمًا إلى الوراء.
تُشكّل الهدنة اليوم فرصة. لكنّها قد تشكّل فخًّا أيضًا إن لم تتبعها يقظة جماعيّة. والخيار اليوم بسيط، ويكاد يكون واضحًا إلى حدّ القسوة: فإمّا أن يحوّل لبنان هذه الهدنة إلى سلام ونهوض، أو أن ينزلق مجدّدًا إلى وضعٍ أصبح مألوفًا لديه، وضعٍ قد يقوده هذه المرّة إلى الهلاك.
يستحقّ لبنان اليوم الأفضل. ويستحقّ أن يكون حرًّا، ومستقلًّا، وأن ينعم بالسّلام. وهذا المسار بدأ.
مواضيع ذات صلة :
هدنة هشّة في الجنوب: تفجيرات وتوتّرات والعمليات مستمرّة رغم وقف النار! | هل الهدنة لصالح لبنان؟! | الاتحاد الأوروبي: “الحزب” جرّ لبنان للحرب وعليه نزع السلاح |




