الخطّ الأصفر في جنوب لبنان: غير مرسوم إنّما مفروض

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
ثمّة خطوط تسبق وجودها الفعليّ. في جنوب لبنان، أحد هذه الخطوط لا تتضمّنه أي خريطة، ولا يثبّته أي اتّفاق، ولا تعترف به الأمم المتّحدة. مع ذلك، يفرض منطقه على الأرض، وعلى حركة التنقّل، وعلى مسار التّدمير.
يطلق عليه الجيش الإسرائيلي اسم “الخطّ الأصفر”. وكما يحدث غالبًا في هذه المنطقة، يتحوّل ما يبدأ كتدبير عسكريّ مؤقّت إلى واقع دائم.
خطّ أحادي الجانب يمتدّ حتى 8 كيلومتر في الدّاخل اللبنانيّ
“الخطّ الأصفر خطّ غير رسميّ فرضته إسرائيل”، يقول الجنرال خليل الجميّل، القائد السّابق للقطاع الجنوبيّ من اللّيطاني، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth.
وبحسب الأخير، يمتدّ هذا الخطّ عبر جنوب لبنان من الجبهة الغربيّة إلى الجبهة الشرقيّة. ويتفاوت عمقه بحسب المناطق، إذ “يصل في بعض المواقع إلى ثماني كيلومترات، مع خمسة كيلومترات كحدّ أدنى.”
وفي بعض النّقاط، قد يمتدّ هذا العمق إلى نحو عشرة كيلومترات، ما يعكس توجّهًا نحو توسيع المنطقة العازلة بشكل تدريجيّ. وتبلغ المساحة الاجماليّة اليوم نحو 500 كيلومتر مربّع، وتشمل 55 بلدة لبنانيّة، مدمّرة بجزئها الأكبر، أو غير صالحة للسّكن، وفق ما نقله الجميّل.
بين الخطّ الأزرق (خطّ الانسحاب الّذي رسمته الأمم المتّحدة عام 2000 لتأكيد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان) والخطّ الأصفر، تشكّلت عمليًّا منطقة عازلة بفعل القوّة العسكريّة. ومن خلال اعتماد سياسة الأرض المحروقة، يشير الجنرال، يُردع أي وجود أو يجعله مستحيلًا حتّى. وهنا يصبح التّشابه مع غزة واضحًا: مساحة مُفرغة، ومُسطّحة، تحوّلت إلى منطقة عازلة تحت ضغط عسكريّ متواصل.
في هذا السّياق، تبقى قوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل) منتشرة على امتداد الخطّ الأزرق، من دون قدرة فعليّة على التحرّك في مواجهة هذا الواقع الجديد، بينما يتمركز الجيش اللبنانيّ شمال الخطّ الأصفر.
من البيّاضة إلى كفرشوبا، تقدّم عبر المرتفعات
لفهم منطق هذا الخطّ، لا بدّ من النّظر إلى التّضاريس فيه. فهو لا يتبع مسارًا مستقيمًا، بل يمتدّ من الغرب إلى الشّرق مستندًا إلى التّلال والنّقاط المرتفعة المشرفة.
يصف الجميّل في هذا السّياق سلسلة متّصلة من المواقع التي تُشكّل خطّ السّيطرة هذا، من البيّاضة وصولًا إلى مرتفعات كفرشوبا: البيّاضة، وشمع، وطير حرفا، وشيحين، والصّالحاني، وبيت ليف، ورميش، وبنت جبيل، وعيترون، وعيناتا، والنبي يوشع، ومحيبيب، وطلّوسة، وبني حيّان، والقنطرة، ودير سريان، والطّيْبة، وربّ ثلاثين، والعويضة، والعزية، والخيام، وتلّة السهرة في كفرشوبا.
ويختصر الجميّل قائلًا: “يتقدّم الجيش الاسرائيليّ عبر التّلال والمواقع المشرفة، وبين هذه النّقاط يسوّي القرى بالأرض”.
ومن بين البلدات المعنيّة تبرز خمس قرى مسيحيّة؛ ثلاث منها، وهي رميش ودبل وعين إبل، بقيَت نسبيًّا بمنأى عن الأضرار، بينما دُمّرت القريتان الأخريان، أي علما الشّعب والقوزح، بالكامل.
وفي القرى الثّلاث الّتي ما زالت قائمة، تسعى الدولة اللبنانيّة إلى الحفاظ على حضورها، بينما يتولّى الجيش، في ظلّ ظروف صعبة، تأمين إيصال المساعدات الانسانيّة والطبيّة. وقد أُدخلت في الأيّام الأخيرة أدوية، ومعدّات طبيّة، ومواد أساسيّة، رغم القيود الشّديدة المفروضة على الوصول إلى هذه القرى.
منطقة مُفرغة وخطّ أمر واقع
جاء تطوّر لافت ليؤكّد هذه الديناميّة على الأرض. فقد نشر المتحدّث باسم الجيش الاسرائيليّ باللّغة العربيّة أفيخاي أدرعي، يوم الأحد، على منصة X، خريطة تُفصّل للمرّة الأولى حدود هذه المنطقة. ويعرض المستند، الموصوف بأنّه “خطّ دفاع متقدّم”، نطاقًا يتجاوز الشّريط الحدوديّ التقليديّ بأشواط. ويشمل الخطّ عشرات القرى من النّاقورة إلى الخيام، مرورًا ببنت جبيل والقنطرة فحسب، بل ويمتدّ أيضًا في بعض النّقاط شمال اللّيطاني.
وما يلفت الانتباه أكثر، هو توسيع هذه الخرائط نطاق المنطقة العازلة بما يتجاوز اليابسة. إذ تُظهر امتدادًا غربًا في البحر قبالة رأس البياضة، وآخر شرقًا باتّجاه سفوح جبال لبنان الشرقيّة. وهو تمثيل يعكس توجّهًا لإعادة صياغة التّوازنات الجغرافيّة بعمق، عبر تثبيت ما يُفرض تدريجيًّا على الأرض في الخرائط، أكثر من تموضع دفاعيّ ظرفيّ.”
“إنّه بالضّبط نموذج غزّة”، يؤكّد الجميّل. ثمّ يضيف: “منطقة عازلة، ومحرّمة، حيث يُعتبر أي وجود فيها تهديدًا.”
“في هذا الجزء من الأراضي اللبنانيّة، الحياة المدنيّة معلّقة بالكامل. ولا يُسمح للسكان بالعودة إليها. فالمناطق إمّا محتلّة، أو رازحة تحت ضغط عسكريّ دائم. وأي محاولة للاقتراب تواجه بالرّدع الفوريّ.”
وتُطرَح أيضًا، في هذا السّياق، مسألة استمراريّة الخطّ الأصفر، في ظلّ سابقة الخطّ الأزرق، وما تثيره من مخاوف. وبحسب الجميّل، يبقى التّمييز واضحًا: “لا يمكن أن يصبح هذا الخطّ رسميًّا، ولا يستند إلى أي أساس قانونيّ.” غير أنّ الوقائع على الأرض تفرض نفسها أسرع من القوانين.
مواضيع ذات صلة :
إسرائيل: لا هجمات خارج “الخط الأصفر” | الجيش الإسرائيلي: استهداف “مخربين” جنوب الخط الأصفر… والعمليات مستمرة رغم وقف إطلاق النار | خطة إسرائيلية لمنع عودة السكان… وهذا هو الخط الأصفر |




