دور بكين في الصّراع الإيرانيّ – الأميركيّ

ترجمة هنا لبنان 21 نيسان, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:

جسَّدت الحرب الّتي خاضتها الولايات المتّحدة وإسرائيل ضدّ النّظام الإيرانيّ التوتّرات البنيويّة بين واشنطن وبكين. وإذا كان النّقاش قد انصبّ بطبيعة الحال على التّداعيات الإقليميّة، فإنّ بُعدًا آخر، أقلّ مباشرة لكنّه لا يقلّ أهميّة، يستحقّ الانتباه: إلى أيّ مدى يُعيد هذا الصّراع تشكيل المنافسة الصينيّة – الأميركيّة؟

صمت بكين الاستراتيجيّ

جاء الردّ الصينيّ على الصّراع محسوبًا ومضبوطًا بعناية. ويُشير معهد بيترسون للاقتصاد الدوليّ إلى أنّ “صوت الصّمت” الصّادر عن بكين وموسكو لم يكن خطأً، بل خيارًا مدروسًا: لماذا إيقاف حرب تغرق فيها واشنطن؟ في الأسابيع الأولى، اكتفت الصّين بالدّعوات إلى وقف إطلاق النّار وبممارسة دبلوماسيّة هادئة، بالتّوازي مع تأمين إمداداتها من النّفط الإيرانيّ، إذ واصل أكثر من 11 مليون برميل التدفّق شرقًا، مدفوعة قيمتها بالرنمينبي عبر نظام الدّفع الدوليّ “CIPS” الّذي طوّرته الصّين كبديل لشبكة “SWIFT” الخاضعة لهيمنة الغرب.

وتوضح مجلّة “Foreign Affairs” أنّ هذا التريّث لا يعكس لامبالاة، بل إدارة دقيقة للمخاطر النّظاميّة، إذ تعتمد بكين على نظام دوليّ مستقرّ لضمان صادراتها، وسلاسل الإمداد، وطموحاتها التكنولوجيّة. يأتي نحو 70% من واردات الصّين من النّفط الخام من الخارج، ويمرّ ثلثها عبر مضيق هرمز. وقد أثّر إغلاق المضيق لأسابيع في الصّين، على الرغم من أنّها كانت قد عزّزت احتياطيّاتها الاستراتيجيّة بنسبة 16% في مطلع العام.

مكاسب فعليّة إنّما هشّة

على الصّعيد الاقتصاديّ، حقّقت الصّين مكاسب غير متوقّعة. فخلافًا للولايات المتّحدة الّتي دخلت الحرب مع تضخّمٍ متبقٍّ، عانت الصّين انكماشًا سعريًّا. وقد أدّت الزّيادة المعتدلة في أسعار النّفط إلى أثر انعكاسيّ طفيف لصالح بكين، الّتي استفادت أيضًا من حسومات على النّفط الروسيّ والإيرانيّ، بينما حافظت صادراتها على تنافسيّتها على الرغم من ارتفاع تكاليف المُدخلات لدى الشّركات الغربيّة.

وعلى الصّعيد الجيوسياسيّ، تابعت بكين عن كثب العمليّات البحريّة الأميركيّة في الخليج، من تحرّكات حاملات الطّائرات إلى أنماط اعتراض الصّواريخ والتدفّقات اللوجستيّة. ويُشير معهد بيترسون إلى أنّ هذه النّافذة الاستخباراتيّة “ذات قيمة استراتيجيّة للصّين في سيناريوهات تتعلّق بمضيق تايوان”.

مع ذلك، تبقى هذه المكاسب مشروطة. فمركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدوليّة “CSIS” يلفت إلى أنّ دول الخليج، الّتي تعرّضت لهجمات إيرانيّة، عزّزت علاقاتها مع واشنطن أكثر من بكين، في ظلّ عجز الصّين وروسيا، أو عدم رغبتهما في تقديم حماية مماثلة. كما أنّ التّقارب الإيرانيّ – السعوديّ في 2023، الّذي رعته بكين ضمن مبادرتها للأمن العالميّ، يبقى قابلًا للاهتزاز. ومن شأن أيّ انتصار أميركيّ حاسم في إيران أن يقوّض البُنية متعدّدة الأقطاب الّتي كانت بكين تبنيها تدريجيًّا عبر منظّمة شنغهاي للتّعاون ومجموعة البريكس.

إعادة النّظر في معضلة تايوان

تُجسّد مسألة تايوان المفارقة المركزيّة في الحسابات الصينيّة. فمن جهة، قد يؤمّن انشغال واشنطن المتزايد بالشّرق الأوسط فرصةً محتملةً. لكنّ مجلّة “Foreign Affairs” تلفت إلى أنّ المنظور الصينيّ أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فإذا كانت الولايات المتّحدة أقلّ استقرارًا، وأكثر ميلًا إلى العسكرة، ومعتمدة أكثر فأكثر على قوّتها العسكريّة المتبقّية، قد تتحوّل في سياق أزمة تايوانيّة إلى خصم أكثر خطورة، لا أقلّ خطورة.

وإن كانت القيادة الصينيّة تنظر إلى الولايات المتّحدة كقوّةٍ تمرّ في مرحلة أفول، وتتراجع في الشرعيّة لكنّها تحتفظ بتفوّقٍ عسكريٍّ كبيرٍ، سيصبح الدّخول في مواجهة مباشرة أكثر خطورة بكثير.

متغيّر هرمز وسيناريوهات الانفجار

يقترح المجلس الأطلسيّ “Atlantic Council” خريطةً من أربعة سيناريوهات وفق درجة الانخراط الأميركيّ وموقع الصّين. ففي السّيناريو الأكثر احتمالًا على المدى القصير – انخراط أميركيّ محدود، وموقف صينيّ سلبيّ إنّما انتهازيّ – تبقى النّتائج غير محسومة: تآكل طفيف في التّحالفات الأميركيّة، وتقدّم صينيّ تدريجيّ بحكم الأمر الواقع، ومضيق يُعاد فتحه من النّاحية التقنيّة، لكنّه يبقى موضع نزاع من الناحية العمليّة.

أمّا السّيناريو الأخطر فيتمثّل في انتقال بكين إلى دعمٍ نشطٍ لإيران، بما يحوّل صراعًا إقليميًّا إلى نقطة تحوّل عالميّة.

ويُشير مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والدوليّة إلى هشاشة بنيويّة لدى واشنطن، إذ يُرجَّح استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض بشكلٍ جزئيٍّ، ما يضعف قدرتها على ردع موسكو وبكين في مسارح أخرى في الوقت عينه. كما يطرح الحلفاء الآسيويّون، الّذين يتحمّلون تداعيات الصّدمة الطاقيّة، أسئلةً متزايدةً حول كلفة الاصطفاف مع واشنطن.

انتصارٌ سامّ بالنسبة إلى الطّرفين

قد تكون الخلاصة الأكثر صرامة تلك الّتي صاغتها مجلّة Foreign Affairs: “ما يُضعف الولايات المتّحدة لا يعزّز بالضّرورة الصّين”. فقد حصل شي جين بينغ على أميركا أقلّ قابليّة للتوقّع، كما تمنّى منذ سنوات، لكنّه حصل أيضًا على نظام دوليّ أكثر فوضويّة، يُهدّد شروط صعوده حتّى.

في عالمٍ يُعتبر فيه الاستقرار شرطًا أساسيًّا للتنافسيّة الصينيّة، تبدو أميركا غير المتوقّعة أكثر خطورةً من أميركا المرسِّخة للاستقرار. لقد صمتت أصوات المدافع، لكنّ الخصومة الأبديّة بين القوى الكبرى لم تصمت.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us