مثاليّة الموت في النّظام الإيرانيّ

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:
كي نفهم ما يجري في إيران، وسلوك ما تبقّى من قادة لديها، لا بد من الانطلاق من فكرة محوريّة. شتّان بين تفكير النّظام الإيرانيّ وتفكير الأنظمة الأخرى.
ففي ظلّ أنظمة أخرى، يستهلّ أي قائد تفكيره بسؤال بسيط. كم من الأرواح ستزهق؟ وكم من المدن ستُدمَّر؟ وإلى أي مدى يمكن المضيّ من دون انهيار على صعيد البلد ككلّ؟
أمّا في طهران، فهذا المنطق ليس جوهريًّا. لا بل هو بعيد كلّ البعد عن ذلك.
فلنتذكّر الحرب بين إيران والعراق. ولنعدْ إلى عام 1980 حين كان آية الله الخميني قد اعتلى عرش السّلطة لتوّه. وعندما هاجم الجيش العراقيّ بقيادة صدّام، الّذي لا يتوانى عن ارتكاب الأخطاء، البلاد، لم يراهن النّظام أوّلًا على الاستراتيجيّة العسكريّة، بل على التّضحية.
إذ أُرسل أطفالاً في الثّانية عشرة من عمرهم إلى حقول الألغام. وسلّمهم مفاتيح صغيرة مصنوعة من البلاستيك، قيل لهم إنّها مفاتيح تتيح لهم دخول الجنّة، ثمّ دفعهم إلى الصّفوف الأماميّة لتفجير الألغام. سلطة تلتهم أبناءها.
استمرّت الحرب ثماني سنوات، وحصدت ما بين خمسمئة ألف، ومليون قتيل من الجانب الإيرانيّ. وصمد النّظام، ليس بفضل قوّته أو شرعيّته، بل لأنّه نجح في جعل موت مواطنيه جزءًا من آليّة عمله.
ومنذ عام 1979، بنت الجمهوريّة الإسلاميّة نفسها وتوسّعت على أساس الفكرة المركزيّة هذه. فالموت ليس مجرّد كلفة، بل يمكن أن يتحوّل إلى رصيد سياسيّ. ويُنظر إلى الموت في سبيل القضيّة كشرف أعظم، وأحيانًا كمثال أعلى.
تستمدّ هذه الرّؤية جذورها من حدثٍ مؤسّسٍ في التّاريخ الشيعيّ: استشهاد الحسين في كربلاء. تضحية في مواجهة الظّلم، جعلها الخميني ركيزة النّظام، بعد إعادة توظيفها، وتحريف معناها.
ومنذ ذلك الحين، تُستدعى هذه الذّاكرة الدينيّة بلا انقطاع لتثبيت منظومة الحكم.
لا يتسبّب الدّمار، بالضّرورة، بإضعاف النّظام. والأسوأ أنّه قد يقوّيه. لقد رأينا بأمّ العين صور التّظاهرات المؤيّدة للنّظام في الأسابيع الأخيرة. فكلّما اشتدّت الضّغوط الخارجيّة، ازداد قدرةً على تقديم نفسه ككيان محاصر. وهكذا، تتحوّل الفوضى إلى أداة نافعة.
قد يُخيَّل للمرء أنّ هذا النّظام يعجز، من حيث المنطق، عن الاستمرار بعد عشرات السّنين من الأزمات الاقتصاديّة، والقمع، والاحتجاج.
لكنّ المنطق غائب.
يقوم النّظام على نواة صلبة تضمّ نحو مليون عنصر من الحرس الثوريّ والباسيج. ويشكّلون، مع عائلاتهم وشبكاتهم، شريحة وازنة من المجتمع. أشخاص مرتبطون بالنّظام، ليس دائمًا بدافع الأيديولوجيا، بل لأنّ حياتهم مرهونة به.
ليست هذه البُنى عسكريّة فحسب، بل تسيطر أيضًا على جزء كبير من الاقتصاد. منظومة مغلقة، تعيد توزيع الموارد على من يخدمها. وهو نهج يستمرّ منذ سبعة وأربعين عامًا.
أمّا القادة، فلا يؤمنون بهذه الأيديولوجيا. وإن لقيَ الكثير منهم حتفهم، فليس لوجودهم في الجبهات تطبيقًا لمبادئهم، بل لأنّ الجبهة طالتهم في الملاجئ الّتي يحتمون بها.
فالبعض يرفع شعار التّضحية، بينما يعيشها البعض الآخر بالفعل.
وعندما يعترض البعض على “الفوضى البنّاءة”، تنهال آلة القمع عليهم من دون رحمة. وتتكرّر الوجوه عينها في كلّ مرّة: المتظاهرون الّذين سفكت دماءهم في 2009، وفي 2019، وفي 2022، وفي 2026. عشرات الآلاف منهم. ونساء ألقت القبض عليهم لمجرّد ظهور خصلة من شعرهنّ.
يجب أن يكون كلّ شيء مُحكم الإغلاق. وأبعد من الحدود، تُؤخذ مجتمعات بأكملها رهينة في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل: في لبنان، وفي سوريا، وفي العراق، وفي اليمن.
وفي هذا الصّراع، نقف أمام رؤيتيْن متناقضتيْن للوجود.
من جهة، مجتمعات تسعى، قدر المستطاع، إلى تقليص الخسائر. ومن جهة أخرى، نظامٌ دمجَ التّضحية في حمضه النوويّ منذ 1979، ويستخدمها لتبرير ما يفرضه على شعبه وعلى غيره من الشّعوب.
أمام طرف لا يرى في الدّمار هزيمة، تقف المعايير التقليديّة عاجزة.
وهذا ما يجعل أي تفاوض عسيرًا، وفي أغلب الأحيان مُربكًا، لا بل مستحيلًا.
مواضيع ذات صلة :
المفاوضات الأميركية – الإيرانية تواجه خطر الانهيار… وسط تبادل الاتهامات حول نوايا الطرفيْن! | انقسام في إيران | إيران – الولايات المتّحدة: هل السّلام ممكن في ظلّ انعدام الثّقة؟ |




