مضيق هرمز: حرب تهدّد المحاصيل وقوتنا اليومي

ترجمة هنا لبنان 24 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Bélinda Ibrahim لـ “Ici Beyrouth”:

في قلب المواجهة بين إيران والولايات المتّحدة، لا يقتصر تأثير مضيق هرمز على زعزعة أسواق النّفط فحسب، بل يمتدّ إلى تعطيل تجارة الأسمدة، كاشفًا بذلك هشاشة أعمق: اعتماد الزّراعة العالميّة على ممرّات بحريّة حيويّة، ومدخلات تحوّلت إلى عناصر استراتيجيّة.

بمجرّد ذكر مضيق هرمز، يتبادر إلى الذّهن موضوع النّفط. فمع كلّ تصعيد في التوتّرات، تتقلّب الأسعار وتحبس الأسواق أنفاسها. لكنّ ما يجري اليوم في هذا الممرّ البحريّ الضيّق لا يقتصر على الطّاقة، بل يمتدّ ليشمل تدفّقات أخرى أقلّ ظهورًا، إنّما لا تقلّ أهميّة: الأسمدة.

في خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الحوادث في الخليج: احتجاز سفن، وتشديد إجراءات التّفتيش، وإعلانات عن حصار وآخر مضادّ. لم تتوقّف الحركة بشكل كليّ، غير أنّها ازدادت تعقيدًا؛ تمتدّ المسارات، وترتفع التّكاليف، وتطول آجال التّسليم. وتستمرّ الحركة، إنّما تحت ضغط دائم.

في هذا السّياق، تحتلّ الأسمدة موقعًا محوريًّا. فاليوريا، والأمونيا، وغيرها من المدخلات الأساسيّة تمرّ بكثافة عبر هذه المنطقة. وبما أنّ دول الخليج مسؤولة عن إنتاج الجزء الكبير منها، تعتمد اعتمادًا مباشرًا على الغاز الطبيعيّ. بتعبير آخر، تبقى الزّراعة الحديثة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجغرافيا الطّاقة وتحوّلاتها الجيوسياسيّة.

قلّما يُدرَك هذا الرابط. مع ذلك، أهميّته كبيرة. فبدون مدخلات النّيتروجين، لا تبلغ المحاصيل مستويات الإنتاج الحاليّة. القمح، والأرزّ، والذّرة: تعتمد ركائز الغذاء العالميّ الأساسيّة هذه على إمدادات منتظمة من الأسمدة الصناعيّة. وخلف كلّ موسم حصاد، تمتدّ سلسلة إنتاج معقّدة، تبدأ بعيدًا جدًّا عن الحقول.

وعند اختلال هذه السّلسلة، لا تظهر الآثار على الفور. وعلى خلاف النّفط الّذي ينعكس ارتفاعه بشكل سريع على أسعار الوقود، تتأخّر أزمة الأسمدة في الظّهور. فالصّدمة تتحرّك عبر الزّمن. ويظهر أثرها عند موسم البذر، ثمّ يتّضح عند الحصاد، حين يواجه المزارعون تكاليف أعلى، أو كميّات غير كافية.

وهنا تتّضح ملامح الأزمة وتصبح ملموسة. فقلّة الأسمدة تؤدّي غالبًا إلى تراجع في الإنتاج. وتراجع الإنتاج ينعكس بدوره على ارتفاع أسعار الغذاء. فالرّابط بين مضيق استراتيجيّ وسلّة المشتريات ليس مباشرًا، لكنّه حقيقيّ.

تبعيّة خفيّة

هذه الهشاشة ليست بجديدة. وتنتج عن نموذج زراعيّ تبلورَ على مدى عقود. فقد سمحت الأسمدة الصناعيّة برفع الإنتاجية بشكل كبير، ومواكبة النّمو السكانيّ العالميّ، غير أنّها عمّقت، في الوقت عينه، الاعتماد المتزايد على موارد محدودة، وسلاسل إمداد شديدة التمركز.

وقد كشفت الحرب في أوكرانيا جانبًا من هذه التبعيّة. ففي الكثير من الدول المستورِدة، لا سيّما في إفريقيا، وآسيا، وأميركا، اللاتينيّة، أدّى ارتفاع أسعار الأسمدة إلى تراجع استخدامها، ما انعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي.

أمّا أزمة مضيق هرمز، فتعمّق هذه الهشاشة بإضافة بُعد استراتيجيّ جديد. إذ لم تعدِ المسألة تتعلّق بالامدادات فحسب، بل بتدفّقها بحريّةٍ أيضًا. فالمضيق يتحوّل إلى نقطة ضغط، تتقاطع فيها الحسابات العسكريّة مع المصالح الاقتصاديّة. ورغم وجود البدائل، تبقى الأخيرة محدودة على المدى القصير: فالتفاف الشّحن عبر طرق بديلة أكثر كلفة، وبناء قدرات إنتاج جديدة يحتاج إلى وقت، كما أنّ تكييف النّظم الزراعيّة لا يحصل في غضون أشهر.

ولا تكفي الحلول التكنولوجيّة في المدى القريب. فالأمونيا المُنتَجة من مصادر متجدّدة لا تزال محدودة للغاية، بينما يرفع تحسين كفاءة استخدام الأسمدة الأداء من دون أن يُنهيَ جوهر التبعيّة. وتؤمّن بعض الممارسات الزراعيّة الأقدم، مثل المحاصيل القادرة على تثبيت النّيتروجين طبيعيًّا، مسارات لتعزيز الصّمود، لكنّها غير مدعومة بما يكفي لإحداث تحوّل فعليّ في التّوازن العالميّ.

وتذكّر الأزمة الرّاهنة بأنّ الأمن الغذائيّ لا يرتبط بالمناخ، أو بالقدرات الانتاجيّة فحسب، بل أيضًا باستقرار طرق التّجارة، وإمكان الوصول إلى المدخلات. ومع تعطّل ممرّ بحريّ حيويّ، تكشف المواجهة بين إيران والولايات المتّحدة واقعًا غالبًا ما يُغفل: ارتكاز الزّراعة العالميّة على سلاسل طويلة، ومعقّدة، وهشّة. وفي آخر هذه السّلسلة، لا يقتصر عدم الاستقرار على الأسواق، بل تمتدّ تداعياته إلى المحاصيل، وفي نهاية المطاف، إلى قوتنا اليوميّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us