فرنسا وإيران: دبلوماسيّة التّوازن أم تسوية استراتيجيّة؟

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:
فيتو، وامتناعات عن التّصويت، وتحرّكات عسكريّة غير مباشرة، وإطلاق سراح رهائن: يُثير التّسلسل الأخير بين باريس وطهران تساؤلاتٍ متعدّدةً. وفي لبنان، تمتدّ هذه المقاربة إلى إدارة براغماتيّة تُبقي هامشًا لحزب الله، على الرغم من خطاب علنيّ أكثر تشدّدًا.
تتبدّى المواقف الفرنسيّة في المرحلة الرّاهنة بين الولايات المتّحدة وإيران أقلّ من خلال التّصريحات، وأكثر في تتابع الخطوات. فبين فيتو في مجلس الأمن، وامتناع عن التّصويت في جولة ثانية، ورفض منح الطّائرات الأميركيّة إذن عبور المجال الجويّ، تتشكّل ملامح خطّ سياسيّ لا يقطع مع الحلفاء الغربيّين، لكنّه يتجنّب في الوقت عينه أي مواجهة مباشرة مع طهران.
في هذا السّياق، لا يمكن اعتبار الإفراج عن الرّهائن الفرنسيّين في خضمّ الحرب حدثًا معزولًا. يندرج ذلك، رسميًّا، ضمن إطارٍ قضائيٍّ محدّدٍ: إذ يُقال إنّ الرّهينتيْن السّابقتيْن أُفرج عنهما مقابل رفع الإقامة الجبريّة عن إيرانيّة أُدينت في فرنسا، من بينها تُهم تتعلّق بالإشادة بالإرهاب.
ولكن، هل يكفي هذا التّفسير وحده لفهم التّوقيت؟ ففي ظلّ التّصعيد الاقليميّ، ومع وصول التوتّرات إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، تطرح سلسلة التطوّرات هذه تساؤلاتٍ متعدّدةً. هل يتعلّق الأمر بتبادل قضائيّ صرف، أم بإشارة سياسيّة أوسع؟ بعبارةٍ أخرى، هل يعكس هذا الإفراج آليّةً منفصلةً، أم يندرج ضمن إعادة تموضع الموقف الفرنسيّ الضمنيّ في هذه الحرب، القائم على الحذر، وعدم الاصطفاف الكامل، وتجنّب التّصعيد المباشر مع طهران؟
لطالما اتّسمت العلاقة مع إيران بالنسبة إلى باريس بمنطق التّوازن. الحفاظ على قنوات مفتوحة، وصون القدرة على الحوار، وتجنّب القطيعة الحادّة: كلّها ثوابت تفسّر موقفًا، غالبًا ما يُنظر إليه بالحذِر. ولكن مع تتابع الأزمات، يُصبح من الصّعب تمييز هذا الحذر عن شكلٍ من أشكال المواءمة.
دبلوماسيّة الإشارات
في هذه السّلسلة، لا تكتسب القرارات الفرنسيّة معناها سوى من خلال ربطها بعضها ببعض. فيتو، وامتناعات عن التّصويت، ومواقف عسكريّة، وإطلاق سراح رهائن: كلّ خطوة، بحدّ ذاتها، قابلة للتّبرير. لكنّ تتابعها يرسم خطًّا أكثر تعقيدًا في القراءة.
لا تتجلّى هذه الدبلوماسيّة في المواقف المعلَنة فحسب، بل في الإشارات، والتّعديلات الدّقيقة، والهوامش المحسوبة. فهي أقرب إلى إدارة توازنات منها إلى اصطفافٍ واضحٍ، حيث تهدف كلّ خطوة إلى تفادي القطيعة مع الحفاظ على القدرة على الحركة.
لكنّ هذه المقاربة ليست من دون كلفة. فمع تراكم هذه الإشارات من دون ترابط مُعلَن بينها، تتعزّز فكرة دبلوماسيّة ضمنيّة، تقوم على مقايضات غير مصرّح بها، وتسويات غير مُعلَنة، وتُقرأ أكثر بين السّطور منها في الخطابات.
وفي هذا الإطار، لا تتوقّف المسألة عند العلاقة مع طهران، بل تمتدّ إلى ساحاتٍ يتجلّى فيها النّفوذ الايرانيّ بشكل مباشر، وفي مقدّمتها لبنان.
لبنان كمرآة كاشفة
يتجلّى هذا الغموض بأوضح صوره في لبنان، حيث تعلن فرنسا عن دور تاريخيّ، سياسيّ ودبلوماسيّ ورمزيّ في آنٍ، لكنّها تتحرّك ضمن بيئةٍ يُشكّل فيها حزب الله فاعلًا محوريًّا لا يمكن تجاوزه، أو القفز فوقه.
في الواقع، لطالما أخذت الدبلوماسيّة الفرنسيّة هذه المعادلة في الحسبان. فمن دون الاعتراف رسميًّا بحزب الله كطرف محاور، اضطرّت إلى التّعامل مع نفوذه على الأرض، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ. وتقوم هذه المقاربة البراغماتيّة على منطق واضح: الحفاظ على الاستقرار، وتفادي الانهيار، والإبقاء على هامش للحركة.
لكنّ هذا النّهج يصطدم بالخطاب العلنيّ. إذ يعكس تصريح الرّئيس إيمانويل ماكرون الأخير، الّذي قال فيه إنّ “كلّ شيء يدفع إلى الاعتقاد” بأنّ حزب الله قد يكون مسؤولًا عن مقتل جنديّ فرنسيّ من قوّات اليونيفيل، هذا التّباين. في المقابل، كان الجيش اللبنانيّ قد تحدّث عن “عناصر مسلّحة” غير محدّدة الهويّة، من دون إسناد رسميّ.
يعكس هذا التّباين بين حذر الوقائع وسرعة الاسناد، تحوّلًا في الخطاب الفرنسيّ. وتزداد دلالته بالنّظر إلى اضطرار باريس، منذ بعض الوقت، إلى التّعامل مع الفاعل عينه في إدارة التّوازنات اللبنانيّة، لا سيّما في ملفّات حسّاسة، تبيّن فيها دور نفوذه الحاسم.
يثير هذا التطوّر سؤالًا أوسع: هل فرنسا في طور إعادة تعريف موقعها، أم أنّنا أمام تعديل في الخطاب، أكثر منه تحوّل نهجٍ فعليّ؟
ليس هذا التوتّر بين القول والفعل بجديد. ففي أعقاب انفجار الرّابع من آب 2020، زار إيمانويل ماكرون بيروت متواصلًا مباشرةً مع اللبنانيّين، ومتعهّدًا بكشف المسؤوليّات. وبعد ستّ سنوات، لم تتحوّل هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة. وبقي هذا الحدث لحظةً قويّةً، لكنّه تحوّل أيضًا إلى رمزٍ لخطاب سياسيّ اصطدم بحدوده. يبرز ذلك قيدًا بُنيويًّا: إذ تصطدم قدرة فرنسا على التّأثير في التّوازنات الداخليّة في لبنان، وفي مقدّمتها موقع حزب الله. وفي هذا السّياق، تتأرجح الدبلوماسيّة بين إرادة التّأكيد وضرورة التكيّف.
خطّ بات ضبابيًّا
يتعدّى السّؤال ما إذا كانت فرنسا “تدعم” حزب الله أو لا، بل كيف تتعامل مع حضوره، وبأيّ كلفة على مستوى وضوح موقفها. لأنّ تراكم الإشارات المتناقضة هذا ينتهي إلى إنتاج أثرٍ أوسع. فبين خطاب الحزم المُعلن والبراغماتيّة الصّامتة، يغدو من الصّعب قراءة الموقف الفرنسيّ بدقّة. وبالنسبة إلى الشّركاء كما إلى الفاعلين المحليّين، قد يبدو هذا الموقف متوازنًا تارةً، ومتردّدًا أو ملتبسًا تارة أخرى.
لا يُعتبر هذا الالتباس، بالضّرورة، مؤشّرًا إلى تناقض. فقد يعكس استراتيجيّةً تهدف إلى الحفاظ على هامش حركة في بيئة شديدة التشظّي. لكنّه ينطوي على خطر واضح: تشويش الرّسالة إلى حدٍّ قد يُضعف المصداقيّة.
في هذه المعادلة، لا يبدو الخطّ الفرنسيّ واضحًا تمامًا، ولا غير منطقيٍّ تمامًا، بل هو نتاج توازنٍ هشٍّ، إذ تستجيب كلّ خطوة لإكراهات مُحدّدة. لأنّ التّوازن قد يشكّل قوّةً في الدبلوماسيّة. لكنّه حين يقوم على سلسلة من التّعديلات المتلاحقة، قد يتحوّل أيضًا إلى منطقةٍ رماديّةٍ، تتداخل فيها الاستراتيجيّة مع المُواءمة، وتغدو فيها الحدود بينهما أكثر صعوبةً على التّحديد.
مواضيع ذات صلة :
جمود في مفاوضات واشنطن وطهران… إيران تتمسّك بشروطها وتلوّح بمضيق هرمز كورقة ضغط! | ثلاث حاملات طائرات أميركية تطوق إيران! | خلافات داخلية تربك إيران… “صراع أجنحة” يهدّد مفاوضاتها مع واشنطن في إسلام آباد! |




