الشّرق الأوسط: أين العالم العربيّ من كلّ هذا؟

ترجمة هنا لبنان 30 نيسان, 2026

كتب Marc Saikali لـ “Ici Beyrouth”:

بات من الواضح أنّ الصّراع في الخليج لا يقترب من نهايته. ومن يراهن على تهدئة قريبة يخطئ في تقدير طبيعة هذه الحرب. إنّها حرب استنزاف، لا يهتمّ أي طرف فيها في كيفيّة خروجه منها بل كيفيّة إعلانه النّصر.
اختار دونالد ترامب مساره: لا جولة قصف ثانية، على الأقلّ في المدى القريب. ويعتمد استراتيجيّة أكثر هدوءًا وبرودة، تقوم على خنق إيران من الدّاخل. ويشتدّ الخناق على الموانئ، بينما تراهن واشنطن على ما يُعرف في بعض الدّوائر بـ”السّيناريو السوفياتيّ”: دفع الشّارع إلى الانتفاض من دون إطلاق رصاصة إضافيّة.
هو رهان محفوف بالمخاطر. فقد أحكم النّظام قبضته على البلاد عبر بثّ الخوف، وعمليّات الشّنق العلنيّة، إلى حدّ يجعل من غير المؤكّد إطلاقًا أن يُقدم الإيرانيّون على المجازفة مجدّدًا بالنّزول إلى الشّارع ومواجهة مجازر جديدة.
تُظهر الصّور الواردة من طهران في الأيّام الأخيرة انشغال السكّان بمحاولة البقاء على قيد الحياة بدل أن يثوروا.
وفي الأثناء، يتداعى العالم العربيّ… كما جرتِ العادة.

مصر تعيش هاجسًا متصاعدًا من احتمال تمدّد الصّراع إلى حدّ يهدّد بإغلاق قناة السّويس، وهو سيناريو تعتبره القاهرة تهديدًا وجوديًّا. وقد وجد أكبر بلد عربيّ نفسه تحت وطأة الضّغوط، فآثر التزام الحذر والانكفاء، بانتظار أن تتّضح ملامح الوضع.
وحسمت الإمارات قرارها. فانسحابها من منظّمة أوبك، الّذي يدخل حيّز التّنفيذ في الأوّل من أيّار، يشكّل زلزالًا. فبعد قرابة ستّة عقود من العضويّة في الكارتل، تطوي أبوظبي صفحة طويلة من تاريخها فيه، في أعقاب أسابيع من هجمات إيرانيّة استهدفت أراضيها.
تحمل الرّسالة بعدًا اقتصاديًّا وسياسيًّا في آن. فالإمارات تمضي اليوم في مسار منفرد، بينما تلقّى تماسك الممالك الخليجيّة والإمارات ضربة قاسية بفقدانه واحدة من ركائزه الأساسيّة. أمّا أبو ظبي، الّتي كانت الأكثر استهدافًا، فتتبنّى اليوم نهجًا أشدّ صرامة في مواجهة الحرس الثوريّ.
تحاول سوريا المستحيل: محاولة البقاء في خارج دائرة الصّراع، بينما تواجه أزماتها الداخليّة. فقد كُشف هذا الأسبوع عن أنفاق جديدة تابعة لحزب الله على الحدود السوريّة اللبنانيّة في منطقة حمص، وهي أنفاق محصّنة بالإسمنت، شيّدتها الميليشيا على مدى سنوات لتهريب السّلاح والمقاتلين.
دمشق لا ترغب في التدخّل. ليس بعد. ولكن، في حال واصل حزب الله، لسبب آخر لا يخضع لأي منطق، استفزازاته، وعمليّات التّهريب عبر حدود غير مراقبة بشكل كافٍ، فسيضطرّ أحمد الشّرع إلى تقبّل الأمر الواقع… لسوء حظّ لبنان.
خرج حزب الله من الحرب منهكًا ومُستنزفًا، ومقطوعًا عن جزء من خطوط إمداده منذ سقوط الأسد، غير أنّه يدّعي الصّمود، فوق أنقاض ما كان يُعرف بجنوب لبنان.
أمّا الممثّلون الّذين يمتلكون رؤية واضحة لأهدافهم، فليسوا عربًا.
إيران أوّلًا. فرغم الاختناق الاقتصاديّ والضّربات العسكريّة، لا زالت تُمسك بأذرعها: حزب الله، والحشد الشعبيّ، والحوثيّون. تتلقّى طهران الصّدمات وتعيد الحسابات. فنظامٌ صمد رغم ثماني سنوات من الحرب ضدّ العراق تحت حكم صدّام، وتجاوز عقودًا من العقوبات، لن يرضخ أمام حصار خانق. على العكس، فكلّما اتّسع نطاق الفوضى، طال أمد بقاء الملالي بالسّلطة.
أما تركيا فتواصل تحريك أوراقها في سوريا، بينما تقدّم نفسها كوسيط يحظى بالاحترام. وتطمح أنقرة اليوم إلى ترسيخ موقع حامية سنّة الشّرق الأوسط، وتنجح في ذلك حتّى الآن، رغم تصاعد التوتّر مع تل أبيب. وحتّى الآن، يستفيد أردوغان من المراعاة الأميركيّة. ولكن، ربّما لن يدوم ذلك طويلًا.
أمّا إسرائيل، فتواصل منطقها الأمنيّ الصّارم: تفكيك المحور الإيرانيّ، جزءًا بعد جزء، وعدم الاستسلام في أي جبهة.
ترسم ثلاث قوى غير عربيّة إيقاع حرب باتت فيها الدول العربيّة أقرب إلى المتفرّج منها إلى الفاعل. فمنظّمة أوبك تتصدّع؛ واهتمام العواصم في مكان آخر؛ والنّظام الإيرانيّ صامد… بالتّرهيب، لكنّه صامد.
مع ذلك، ثمّة بلد يرفض هذا المصير. فلبنان يخوض اليوم تجربة غير مسبوقة: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة. إنّها محاولة منفردة للتخلّص أخيرًا من القيود الّتي كبّلته طوال خمسين عامًا، وحوّلته إلى ساحة لتصفية حسابات المنطقة. لم يعد لبنان يرغب في أن يشكّل ورقة في حروب الآخرين. يبقى أن نعرف إنّ كان “الآخرون” سيسمحون له بذلك.
في خرافة “الذّئاب والنّعاج”، لخّص لافونتين الفكرة بقوله: “الكبار يلتهمون الصّغار”.
ولكن، ماذا لو قرّر الصّغير، هذه المرّة، التمرّد؟!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us