اعتراض ناقلات النّفط الإيرانيّة: ما مصير السّفينة والطّاقم والحمولة؟

ترجمة هنا لبنان 2 أيار, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

منذ تشديد القيود الأميركيّة على الملاحة المرتبطة بإيران في منطقة مضيق هرمز، تزايدت عمليّات اعتراض السّفن الّتي تنقل النّفط الإيراني. وتطرح هذه التطوّرات سؤالًا أساسيًّا: كيف تحصل هذه الاعتراضات، وماذا يحصل لاحقًا للسّفينة، ولطاقمها، ولحمولتها؟

اعتراض مؤطَّر بعقوبات قانونيّة
على خلاف ما قد توحي به الصّورة العامّة، لا تعتمد عمليّات الاعتراض الأميركيّة بالضّرورة على تدخّلات عسكريّة مباشرة. فهي غالبًا ما تحصل ضمن إطار قانونيّ مرتبط بالعقوبات الاقتصاديّة المفروضة على إيران، لا سيّما منذ انسحاب الولايات المتّحدة من الاتّفاق النوويّ عام 2018.
وتستند هذه العمليّات إلى مذكّرات مصادرة تصدرها محاكم فدراليّة، وتستهدف شحنات نفط يُشتبه في خرقها للعقوبات، لا سيّما عندما تنقلها شركات وسيطة، أو تحمل أعلامًا ملاحيّة مختلفة. وقد تحصل هذه الإجراءات بالتّعاون مع أطراف دوليّة، أو في مناطق بحريّة تمتلك فيها واشنطن قدرة على التحرّك، مثل المحيط الهنديّ.
وفي هذا السّياق، أعلنت المدّعية الفدراليّة في مقاطعة كولومبيا، جانين بيرو، في الرّابع والعشرين من شهر نيسان الماضي عبر منصّة إكس، اعتراض ناقلتيْن نفطيّتيْن تحمل كل منهما نحو 1.9 مليون برميل من النّفط الايرانيّ، استنادًا إلى مذكّرات قضائيّة. ويعكس ذلك تصاعد طابع هذه العمليّات القضائيّ.
ويشير الجنرال فرنسوا شوفانسي، الخبير في الاستراتيجيّة والدّفاع، والمستشار في الجيوسياسة، وممثّل فرنسا السّابق لدى حلف شمال الأطلسيّ، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth إلى أنّ “المعلومات المتوافرة حول مصير السّفن المُعترَضة تبقى محدودة جدًّا، خصوصًا عندما يحصل الاحتجاز في عرض البحر بعيدًا عن أي ولاية قضائيّة واضحة”.
ورغم استمرار الغموض حول التّفاصيل النهائيّة المتعلّقة بمصير هذه السّفن، تسمح المعطيات المتاحة برسم الإطار العام لهذه العمليّات.

السّفينة، والطّاقم، والحمولة: ثلاثة مصائر مختلفة
بعد اعتراض السّفينة، تتباين السّيناريوهات الممكنة بحسب موقع العمليّة، ووضع الباخرة القانونيّ، وعَلمها، وجنسيّة الطّاقم، وطبيعة آليّات نقل النّفط، ومدى تعاون الدول المعنيّة. بعبارة أخرى، يتعيّن التّمييز بين ثلاثة عناصر أساسيّة: السّفينة، والطّاقم، والحمولة.
في ما يتعلّق بالسّفينة، غالبًا ما تتحرّك السّلطات الأميركيّة استنادًا إلى مذكّرات قضائيّة تستهدف سفنًا يُشتبه في تورّطها بنقل نفط خاضع للعقوبات. وهذه السّفن ليست بالضّرورة إيرانيّة. إذ يندرج الكثير منها ضمن ما يُعرف بـ”الأسطول الشّبح”، أي ناقلات مسجّلة تحت أعلام دول ثالثة، أحيانًا صينيّة، أو روسيّة، أو بنميّة، أو تحت أعلام ملاءمة، مرتبطة بشبكات تجاريّة معقّدة يصعب تتبّعها.
وبحسب شوفانسي، قد يفتح اعتراض ناقلة ترفع علمًا صينيًّا، أو روسيًّا، أو حتّى هنديًّا، الباب أمام توتّرات دبلوماسيّة فوريّة مع هذه الدول. لذلك، تنحصر هذه العمليّات أساسًا بسفن ترفع أعلام الملاءمة، أو ترتبط بمسارات تجاريّة غامضة، لأنّها أقلّ حساسية من النّاحية السياسيّة، وأقلّ قابليّة لإثارة أزمات دوليّة.
في بعض الحالات، كما في عمليّات حصلت مؤخّرًا في بحر العرب أو في المحيط الهنديّ، تنفّذ القوّات الأميركيّة عمليّة منعٍ ملاحيّ، تتبعها إجراءات صعود إلى متن السّفينة، وإعادة توجيهها نحو منطقة تخضع للرّقابة، أو ميناء شريك. وهكذا، قد تتعرّض السّفينة للاحتجاز المؤقّت، وللتّفتيش، أو لتجميد حركتها ضمن مسار قضائيّ. وتبقى المصادرة النهائيّة إجراءً نادرًا، يعتمد على مدى قوّة أساس الملفّ القانونيّ.
وفي حالات أخرى أكثر تحفّظًا، قد تكتفي السّلطات الأميركيّة بإرغام السّفن على تغيير مسارها، والعودة من حيث أتت من دون اللّجوء إلى احتجاز رسميّ. ويشير شوفانسي إلى أنّ “الاستجابة الأولى غالبًا ما تكون بمثابة المطالبة بالعودة”، واصفًا ذلك بأنّه نمط ردعيّ، وهو غالبًا ما يفلت من التّغطية الاعلاميّة.
أمّا التّعامل مع الطّاقم فيتّسم بأنّه أكثر تباينًا. إذ لا يُحمَّل البحّارة، بشكل عام، مسؤوليّة انتهاكات العقوبات. وفي حالات موثّقة متعدّدة، يخضع هؤلاء للاستجواب، ثمّ يُفرَج عنهم، أو يُرحَّلون إلى بلدانهم، مع تسجيل بعض الاستثناءات، لا سيّما بالنسبة إلى قبطان السّفينة، أو عند رفض الامتثال للأوامر. بالتّالي، تتراوح أوضاعهم بين مدنيّين محميّين، وأشخاص متورّطين في نشاط غير قانونيّ، بحسب الظّروف.
تؤدّي الجنسيّة دورًا حاسمًا في هذا السّياق. فغالبًا ما تتكوّن الأطقم من بحّارة غير إيرانيّين، ما يدفع واشنطن إلى اعتماد قدر كبير من الحذر لتفادي أي توتّرات دبلوماسيّة. وفي حالات أكثر حساسية، قد يواجه بعض أفراد الطّاقم معاملة قريبة من الاحتجاز في إطار الأمن البحريّ، رغم بقاء هذا الإجراء موضع جدل قانونيّ.
وتبقى الشّحنة أو الحمولة هي الهدف الأساسيّ. ففي المنطق الأميركيّ، ليست السّفينة هي المقصودة، بل النّفط المنقول، لأنّه أصلًا مرتبط بانتهاك العقوبات الاقتصاديّة.
وتعتمد واشنطن من الناحية القانونيّة على إجراء المصادرة المدنيّة (civil forfeiture) أمام محاكم فدراليّة، غالبًا في مقاطعة كولومبيا. في هذا الإطار، لا يُلاحَق الأشخاص، إنّما الحمولة الّتي تُعامَل كـ”أصل متنازع عليه”. وبعد مصادقة القاضي على المصادرة، يصبح النّفط ملكًا للدولة الأميركيّة.
هذا يعني أنّ الخام يؤمَّن أوّلًا ماديًّا. وثمّة احتمالان: إمّا البقاء على متن السّفينة الموقوفة، أو نقله (وهو الأمر الأكثر شيوعًا)، إلى سفينة أخرى مستأجَرة تحت إشراف جهات مخوّلة. وتسمح هذه الخطوة بفصل الحمولة نهائيًّا عن مسارها الأصليّ، الّذي غالبًا ما يكتنفه الغموض، أو يرتبط بشركات واجهة.
ثمّ تأتي المرحلة التّالية، وهي مرحلة التّسويق، حيث لا يُباع النّفظ بقرار سياسيّ مباشر، بل عبر قنوات تجاريّة اعتياديّة، وغالبًا من خلال وسطاء أو شركات متخصّصة، وبتكليف من السّلطات الأميركيّة. ويمكن طرح النّفط في السّوق الدوليّة، شأنه شأن أي خام آخر، بعد تسوية وضعه القانونيّ. ولا تُكشف دائمًا هويّة المشترين، غير أنّهم يكونون، من النّاحية العمليّة، من الفاعلين في سوق النّفط ،القادرين على استيعاب هذا النّوع من الشّحنات.
وتُحوَّل عائدات هذه المبيعات لاحقًا إلى الخزانة الأميركيّة ضمن إجراءات المصادرات. وقد تُخصّص لصناديق عامة مختلفة، وفق الأساس القانونيّ المعتمَد. كما قد يوجَّه جزء من هذه الأموال إلى آليّات تعويض، أو صناديق مرتبطة بمكافحة أنشطة تعتبرها واشنطن غير قانونيّة، لا سيّما تلك المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.
ويشير شوفانسي قائلًا: “حتّى لو أدّى الوضع في فنزويلّا إلى مصادرات مؤكّدة، ثمّ عمليّات إعادة بيع، يلف مصير النّفط الايرانيّ المعترَض، خاصّة في منطقة مضيق هرمز، الكثير من الغموض”.
طهران تدين هذه العمليّات وتعتبرها “قرصنة” في خارج المياه الاقليميّة
تدين طهران هذه الممارسات بشدّة، وتعتبرها انتهاكًا صارخًا للقانون الدوليّ. ففي السّابع والعشرين من شهر نيسان الماضي، أدان إسماعيل بقائي، المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الايرانيّة، هذه العمليّات بشكل حازم.
وقال بقائي عبر منصّة إكس: “إنّها شرعنة صريحة للقرصنة والسّطو المسلّح في خارج المياه الاقليميّة. أهلًا وسهلًا بعودة القراصنة! غير أنّهم يعملون، هذه المرّة، بمذكّرات رسميّة، ويرفعون أعلامًا رسميّة، ويصفون أعمال النّهب بـ”إجراءات حفظ النّظام”.
كما اتّهم واشنطن بالإضرار بحريّة التّجارة الدوليّة، ومبادئ أمن الملاحة البحريّة الأساسيّة.
اتّهامات بقيت من دون نتائج ملموسة، إذ تتواصل عمليّات الاعتراض في عرض البحر، بينما تظلّ حدود هذه الاجراءات القانونيّة والبحريّة غير واضحة، ويصعب رسمها بدقّة.

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us