لبنان أمام نموذج السلام الأميركي

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth”:
“يقف لبنان عند مفترق طرق حاسم. ويملك الشعب اللبناني اليوم فرصةً تاريخيةً لاستعادة زمام مصيره، وبناء دولة ذات سيادة كاملة”.
بهذه الكلمات، تشير السفارة الأميركية في لبنان إلى اللقاءات التي انطلقت في نيسان 2026 في واشنطن، بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين برعاية الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وبدء مفاوضات مباشرة. وهدف هذه الاجتماعات، التي تضم دبلوماسيين رفيعي المستوى، هو إرساء سلام دائم على الرغم من استمرار حالة الحرب.
وتعمل واشنطن، بصفتها وسيطًا محوريًّا، على الدفع نحو لقاء بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتندرج هذه المقاربة ضمن نهج سبق اعتماده: دبلوماسية مباشرة بإشراف أميركي وضمانات أميركية، تؤدي فيها الولايات المتحدة أدوار الوسيط، والمضيف، والضامن في آن.
ويعود هذا النموذج الأميركي إلى أواخر سبعينيّات القرن الماضي، حين رسّخت واشنطن موقعها كوسيطٍ مركزيٍّ في النزاع العربي – الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، تعزز هذا الدور عبر محطات مفصلية، من اتفاقات كامب ديفيد إلى اتفاقات أوسلو، وصولًا إلى اتفاقات أبراهام التي أعادت صياغة مسارات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
كامب ديفيد (1978-1979): السلام بين مصر وإسرائيل
تعتبر اتفاقات كامب ديفيد، الموقعة في السابع عشر من أيلول 1978، أول محطة كبرى في هذا المسار الدبلوماسي. وقد جرت مفاوضاتها برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر، بين رئيس جمهورية مصر العربية أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.
وأفضت هذه الاتفاقات إلى توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في السادس والعشرين من آذار 1979 في واشنطن. وبموجبها أصبحت مصر أول دولة عربية تعترف رسميًّا بإسرائيل. وفي المقابل، وافقت إسرائيل على إعادة كامل شبه جزيرة سيناء، التي كانت قد احتلتها منذ حرب 1967. وقد اكتملت عملية الانسحاب عام 1982، في خطوةٍ مثّلت تحولًا استراتيجيًّا بارزًا، ورسّخت دور الولايات المتحدة كضامن رئيسي للاتفاقات، والتوازنات الإقليمية.
أوسلو (1993-1995): إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية برعاية أميركية
بعد خمسة عشر عامًا، فتحت اتفاقات أوسلو مرحلةً جديدةً. ففي الثالث عشر من أيلول 1993، في واشنطن، وبرعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، ورئيس اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، إعلانًا تاريخيًّا للمبادئ.
وللمرة الأولى، اعترف كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بالآخر. ونصّ الاتفاق على إنشاء سلطة فلسطينية، ومنح حكم ذاتي تدريجي في الأراضي الفلسطينية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.
واستكملت هذه العملية باتفاق أوسلو الثاني، الموقع في الثامن والعشرين من أيلول 1995، الذي حدد تفاصيل إضافية متعلقة بالحكم والأمن.
وعدى الرغم ممّا أثاره من آمال واسعة، لم يكتمل المسار، وتعثّر بشكل متكرر بسبب التوترات الميدانية، قبل أن يزداد هشاشة مع اغتيال إسحاق رابين في العام عينه.
الاتفاق الإسرائيلي – الأردني للسلام (1994)
في امتدادٍ مباشرٍ لمسار أوسلو، جاءت معاهدة السلام الموقّعة في السادس والعشرين من تشرين الأول 1994 بين المملكة الأردنية الهاشمية ودولة إسرائيل، لتعزيز الدينامية الإقليمية.
وقد أبرم هذا الاتفاق بين الملك حسين، ملك الأردن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون.
وأعلن إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وترسيم الحدود بشكل نهائي، إضافة إلى تنظيم تقاسم الموارد، لا سيما الموارد المائية.
اتفاقات أبراهام (2020): تطبيع موسع
مع اتفاقات أبراهام، الموقّعة في الخامس عشر من أيلول 2020 في واشنطن برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قدمت الولايات المتحدة مقاربةً جديدةً. فلم يعد الهدف تسوية نزاع مباشر، بل دفع مسار تطبيع إقليمي يقوم على تقاطع المصالح الاستراتيجية.
في ذلك اليوم، وقّعت دولة إسرائيل، الممثّلة برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، اتفاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة الممثلة بوزير خارجيتها عبد الله بن زايد آل نهيان، ومع مملكة البحرين الممثّلة بوزير خارجيّتها عبد اللطيف بن راشد الزياني.
وفي الأشهر التالية، أعلنت جمهورية السودان في تشرين الأول 2020 انخراطها في مسار تطبيع مع إسرائيل ضمن سياق انتقال سياسي، بينما أقامت إسرائيل والمملكة المغربية في كانون الأول 2020 علاقات دبلوماسية رسمية. وفي الحالة المغربية، رافقت الولايات المتحدة الاتفاق باعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ممّا يعكس طابع الدبلوماسية الأميركية التبادلي. وقد فتحت هذه الاتفاقات المجال أمام تعاونٍ غير مسبوقٍ بين إسرائيل وعدد من الدول العربية في مجالات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والأمن.
ثابت واحد: التوقيع الأميركي
من كامب ديفيد إلى اتفاقات أبراهام، يُسجَّل حضور ثابت أساسي: لم تشكّل الولايات المتحدة مجرد وسيط ميسّر، بل طرفًا محوريًّا قادرًا على صياغة الإطار التفاوضي، وتقديم الضمانات، والتأثير في توازنات القوى.
وبينما يكون لبنان قد دخل بالفعل في مسار مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الوساطة قادرة على إرساء سلامٍ مستقرٍّ ودائمٍ في لبنان.




