انسحاب الإمارات من “أوبك”: منعطف طاقويّ وجيوسياسيّ بارز!

كتب Fred Khair لـ”Ici Beyrouth”:
يأتي انسحاب الإمارات العربيّة المتّحدة من منظّمة “أوبك” (OPEC)، ومن تحالف “أوبك+” (+OPEC)، في سياق توتّرات متصاعدة على المستوييْن الطاقويّ والجيوسياسيّ، ما يشكّل منعطفًا مهمًّا في بنية حوكمة النّفط العالميّة.
ومع اندلاع الحرب الاقليميّة الجديدة، تصاعدت الخلافات حول حصص الإنتاج الّتي تفرضها أوبك+. وقد باتت هذه الحصص، المصمّمة لضبط أسعار النّفط عبر التحكّم في العرض، محلّ اعتراض بعض الدول المنتجة المتزايد، إذ تعتبر أنّها تعيق نموّها الاقتصاديّ، وتحدّ من سيادتها الطاقويّة.
في هذا السّياق، يُتيح انسحاب الإمارات قدرًا أكبر من الاستقلاليّة في تحديد مستويات الإنتاج. وعلى المدى القصير، تبقى القيود اللوجستيّة والجيوسياسيّة، لا سيّما تلك المرتبطة بمضيق هرمز، عوامل حاسمة ومؤثّرة.
أمّا على المدى البعيد، فقد يؤدّي ارتفاع الإنتاج إلى زيادة معروض النّفط العالميّ، وبالتّالي إلى الضّغط نحو خفض الأسعار. غير أنّ تداعيات هذا الانسحاب لا تقتصر على الأسواق النفطيّة وحدها، بل تمتدّ لتطال التّوازنات الجيوسياسيّة الاقليميّة.
“أوبك”: منظّمة تأسّست دفاعًا عن مصالح الدول المنتجة
أسّست خمس دول منظّمة أوبك عام 1960 في بغداد هي: إيران، والعراق، والكويت، والمملكة العربيّة السعوديّة، وفنزويلّا، بهدف تنسيق السّياسات النفطيّة لضبط الأسعار، والدّفاع عن مصالح الدول المنتجة في مواجهة الشّركات النفطيّة الكبرى.
وانضمّت الإمارات العربيّة المتّحدة، عبر إمارة أبوظبي إلى هذه المنظومة، قبل تأسيس الاتّحاد عام 1971. وتوافق موقعها في المنظّمة، لفترة طويلة، مع التوجّه العام لمنتجي الخليج، لا سيّما المملكة العربيّة السعوديّة.
أمّا تحالف “أوبك+”، فقد أُنشئ في كانون الأوّل 2016 في ظلّ انهيار أسعار النّفط نتيجة فائض كبير في المعروض العالميّ. عندها انضمّت أوبك إلى مجموعة من كبار المنتجين من خارجها، وفي مقدّمتهم روسيا، لتنسيق سياسات الإنتاج. وقد مثّل هذا الاتّفاق تحوّلًا مهمًّا في الحوكمة النفطيّة العالميّة بهدف تقليص فائض العرض، واستقرار الأسعار.
مع ذلك، شهد النّظام العالميّ للطّاقة تحوّلات عميقة في خلال العقديْن الأخيريْن.
صعود الولايات المتّحدة وتراجع قوّة الكارتل
يُعتبر وصول الولايات المتّحدة إلى موقع أكبر منتج للنّفط في العالم أحد أبرز التحوّلات الّتي واجهتها أوبك+. فبفضل ثورة النّفط الصخريّ، أعادت واشنطن تشكيل موازين سوق الطّاقة العالميّة.
ومنذ عام 2017، سجّلت الولايات المتّحدة مستويات إنتاج قياسيّة، لتبلغ نحو 13 مليون برميل يوميًّا في عام 2023. وقد أسهم هذا الصّعود في إضعاف فعاليّة سياسات حصص الإنتاج الّتي تعتمدها أوبك+، عبر تعزيز عرضٍ منافس في خارج إطار الكارتل.
ومع مرور الوقت، تراجعت قدرة المنظّمة على التّأثير المستدام في أسعار النّفط العالميّة، على الرغم من استمرار دورها البنيويّ في تنظيم السّوق.
سوابق الانسحاب وإعادة التّموضع الاستراتيجيّ
لم يُشكّل انسحاب الإمارات العربيّة المتّحدة حالةً معزولةً في تاريخ المنظّمة، إذ سبق أن انسحبت بعض الدول منها، أو علّقت عضويّتها.
ففي عام 2019، أعلنت قطر انسحابها من أوبك، مفضّلة التّركيز على إنتاج الغاز الطبيعيّ المسال (LNG)، وتصديره، وهو قطاع أصبحت فيه لاعبًا عالميًّا بارزًا. وجاء هذا القرار في سياق سياسيّ شديد التوتّر، اتّسم بأزمة الخليج، والحصار الّذي فرضته بعض الدول المجاورة، قبل أن تُطوى تلك المرحلة باتّفاق المصالحة في قمّة العلا عام 2021 في المملكة العربيّة السعوديّة.
ويُظهر هذا المثال أنّ القرارات الطاقويّة غالبًا ما تتداخل مع الحسابات السياسيّة الاقليميّة، كما يتجلّى ذلك في التوتّرات بين الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة حول الملفّ اليمنيّ.
إعادة تشكّل التّحالفات الاقليميّة في العالم السنيّ
في الآونة الأخيرة، يُلاحظ بروز تدريجيّ لاصطفافات إقليميّة جديدة في العالم السنيّ. فقد بدأ محور إقليميّ يتبلور منذ حرب غزّة عام 2023، يضمّ مصر، وتركيا، والمملكة العربيّة السعوديّة، وباكستان، مع انفتاح محتمل على أطراف أخرى، لا سيّما قطر.
وتشهد العلاقات بين مصر وتركيا تقاربًا دبلوماسيًّا بعد سنوات من التوتّر، في حين تتبنّى السعوديّة مقاربةً أكثر حذرًا تجاه مبادرات التّطبيع الاقليميّ الواسعة.
في المقابل، تتبنّى الإمارات العربيّة المتّحدة تموضعًا أكثر استقلاليّة، يقوم على التّطبيع مع إسرائيل عبر اتّفاقات أبراهام الموقّعة عام 2020.
غزّة وإيران وخطوط الانقسام الجديدة
أحدثت حرب غزّة منذ عام 2023 تحوّلاتٍ عميقةً في المشهد الاقليميّ، إذ أعادت طرح القضيّة الفلسطينيّة بقوّة، وأبطأت مسارات تطبيع كانت في طور التّبلور.
كما تبقى العلاقة مع إيران عاملًا بنيويًّا حاسمًا في إعادة رسم التّوازنات. فالسعوديّة تعتمد مقاربةً تدريجيّةً قائمةً على خفض التّصعيد والحوار، بينما تميل الإمارات إلى نهج أكثر صرامة يقوم على الرّدع، وإدارة المخاطر.
مشاريع البنى التحتيّة والممرّات الاستراتيجيّة الجديدة
شكّلت مشاريع البنية التحتيّة الإقليميّة بعدًا إضافيًّا في هذا التحوّل، لا سيّما في المجال الرقميّ. فقد استحوذت شركة الاتّصالات السعوديّة (STC) على 75% من مشروع تطوير شبكة الانترنت في سوريا، مقابل 25% لصندوق سياديّ سوريّ مكلّف بإعادة الاعمار الرقميّ.
ويهدف المشروع إلى ربط سوريا بشبكة الألياف البصريّة الأوروبيّة عبر اليونان، وتعزيز اتّصال العالم العربيّ بأوروبا، مع تجاوز إسرائيل، الّتي طُرحت سابقًا كمسار محتمل، ضمن منطق اتّفاقات أبراهام.
مع ذلك، يبقى السّؤال الأساسيّ مرتبطًا بمدى استدامة هذه الاصطفافات الجديدة، في ظلّ استمرار النّفوذ الأميركيّ كعامل حاسم على المستويات العسكريّة، والاقتصاديّة، والدبلوماسيّة.
لبنان أمام إعادة تشكّل جيوسياسيّ إقليميّ
بالنسبة إلى دول مثل لبنان، تنعكس هذه التحوّلات مباشرةً على التّوازنات الداخليّة، وعلى مسار المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتّحدة.
وفي مرحلةٍ يُعاد فيها رسم خرائط التّحالفات، يواجه لبنان تحدّي اعتماد مقاربة واقعيّة، قائمة على المصلحة الوطنيّة، بعيدًا عن الانقسامات الداخليّة الّتي تُعمّق دوائر الأزمات المتكرّرة.
مواضيع ذات صلة :
هرمز يخنق النفط.. إنتاج “أوبك” عند أدنى مستوى منذ 1990 | تحالف “أوبك+” سيوافق على زيادة جديدة لإنتاج النفط | ارتفاع النفط 1% بعد زيادة إنتاج أوبك+ الأقل من المتوقع |




