من الإصغاء إلى التّأكيد: عام على حبريّة لاوون الرّابع عشر

ترجمة هنا لبنان 8 أيار, 2026

كتبت Marie de La Roche Saint-André لـ”Ici Beyrouth”:

متحفّظ، وهادئ، ورصين: بهذه الصّفات يُقدَّم البابا لاوون الرّابع عشر في الكثير من الأحيان، منذ بداية حبريّته. وقد انتُخب في الثّامن من أيّار الماضي، وبدا مختلفًا عن سلفه البابا فرنسيس، المعروف بأسلوبٍ أكثر كاريزميّة وانفتاحًا.

مرحلة أولى اتّسمت بهدوء أكبر، خصّصها للتّأقلم، وفهم آليّات العمل قبل أن يبدأ بلورة ملامح أسلوبه الخاص. ويقول فرانسوا مابيل، الباحث في معهد “IRIS”، ومدير مرصد جغرافيا الدّين السياسيّة، في تصريح إلى موقع “Ici Beyrouth”: “في الفترة الأولى، اشتغل على الملفّات بمنهجيّة قانونيّة، قائمة على تحليل الوضع ثمّ صياغة موقف أخلاقيّ منه”.

ويقول: “مع زيارته إلى أفريقيا، يتّضح أنّه بات أكثر جرأةً في التّعبير، وأكثر وضوحًا في مواقفه، في حين اشتهر أسلافه بتحفّظ أكبر”، وهي قراءة يُشاركها الأب غابريال خير الله، الأستاذ اليسوعيّ في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، الّذي يرى أنّ البابا “قضى هذا العام في الإصغاء إلى مختلف الأطراف، ودراسة الملفّات، ومتابعة ما يجري في الكوريا. والآن، بدأ حضوره يتجلّى بوضوح أكبر مع زيارته إلى أفريقيا”.

وعلى الرغم من أنّ الأشهر الأولى اتّسمت بالهدوء مقارنة بسلفه، غير أنّها تعكس في العمق قدرًا من الاستمراريّة في النّهج.

على خطى البابا فرنسيس

لم يسعَ البابا لاوون الرّابع عشر إلى الابتعاد عن سلفه، بل حرص منذ بداية حبريّته على مواصلة مسيرة هذا الأخير وخياراته. ويؤكّد الأب برنار هولتسر، من الرّهبنة الآغوسطينيّة، في تصريح إلى موقع “Ici Beyrouth”، أنّ “لاوون الرّابع عشر يقتبس بشكل متكرّر من البابا فرنسيس، ويضع نفسه بوضوح في خطّ الاستمراريّة معه”، مضيفًا أنّ “أسلوبه سيكون على الأرجح أكثر حواريّة، مع طابع أكثر جماعيّة في العمل”.

ويهتم البابا لاوون كسلفه بالقضايا الاجتماعيّة، لا سيّما الدّفاع عن الفئات الفقيرة. فهو لا يتردّد في انتقاد التّفاوتات الاجتماعيّة، وسوء توزيع الثّروات، وضعف انفتاح المجتمع على الأشخاص الأكثر ضعفًا.

وفي هذا السّياق، نشر في التّاسع من تشرين الأوّل الإرشاد الرسوليّ “Dilexi Te”، الّذي بدأه البابا فرنسيس، وجعل من محوره الأساسيّ ضرورة الالتزام تجاه الفقراء، بوصفه خيارًا إلهيًّا. “يبدو لي أنّ Dilexi Te يُشكّل مدخلًا أساسيًّا لفهم حبريّته”، يقول الأب هولتسر، مضيفًا: “أنّه يضع الفقراء في قلب كلّ قرار وكل تمييز روحيّ. فهم يشكّلون “إعلانًا”، ولقاء بيسوع بالنسبة إلى كلّ منّا”.

وفي أواخر آذار، وفي خلال زيارة قصيرة إلى موناكو، انتقد البابا ما وصفه باتّساع “الفجوة بين الفقراء والأغنياء”، مؤكّدًا أنّ “كلّ موهبة، وكلّ فرصة، وكلّ خير بين أيدينا، يحمل وجهة إنسانيّة شاملة، ومسؤوليّة أخلاقيّة تقضي بعدم احتكاره بل بإعادة توزيعه”.

وفي ملفّ الهجرة، كما في مسألة دور المرأة في الكنيسة، اختار البابا لاوون أيضًا نهج الاستمراريّة، فاحتفظ بالنّساء اللّواتي عينهّن البابا فرنسيس في مناصب رفيعة في الفاتيكان.

مصالحة في داخل الكنيسة

عند انتخابه، رأى عدد من المعلّقين أنّ الكرادلة اختاروا شخصيّةً أكثر دبلوماسيّة وتوافقيّة، بهدف تهدئة التوتّرات داخل الكنيسة. فقد شهدت حبريّة البابا فرنسيس بعض الاضطّرابات في مؤسّسة مرّ على تأسيسها أكثر من ألفيْ عام.

فعلى سبيل المثال، أثارت وثيقة مجمع عقيدة الإيمان “Fiducia supplicans”، الّتي تتيح للكهنة منح “بركات عفويّة” لأزواج من الجنس عينه، جدلًا واسعًا في داخل الكنيسة. وبعد أن أسيء فهمها على نطاق واسع، أو اعتُبرت مبهمة، استدعت سلسلةً من التّوضيحات، لا سيّما من شخص البابا فرنسيس، الّذي شدّد على أنّ المسموح به لم يكن مباركة الاتّحاد، بل الأشخاص.

كما اتّهم منتقدو البابا فرنسيس أسلوبه في الحكم فاعتبروه “شديد المركزيّة”، وأخذوا عليه خصوصًا محدوديّة اللّجوء إلى المجامع الكنسيّة الاستثنائيّة، أي اجتماعات الكرادلة الموسّعة الّتي تهدف إلى مساعدة البابا على إدارة الكنيسة.

في هذا السّياق، كان البابا الجديد محطّ ترقّبٍ كبيرٍ من مختلف تيّارات الكنيسة. لكنّ السّنة الأولى هذه تكشف رغبةً لدى البابا لاوون في لمّ شمل المؤمنين. “تشكّل الوحدة جزءًا من شعاره: “به نكون واحدًا!”. إنّها متمحورة حول المسيح، ومترسّخة فيه، لا حول أي إيديولوجيا”، يؤكّد الأب هولتسر، مضيفًا: “يتجلّى ذلك بوضوح في سعيه الحثيث إلى “سلام منزوع السّلاح ومجرّد من السّلاح”، يقوم على العدالة، والحقّ، وكرامة كلّ حياة، والرّحمة قبل أي شيء آخر”.

وهكذا، في خلال عام واحد، دعا البابا إلى عقد مجمعيْن استثنائيّيْن: أحدهما في مطلع كانون الثّاني، والثّاني مقرّر في حزيران المقبل. وعلى الصّعيد الاجتماعيّ أيضًا، يبدو أنّ البابا لاوون يسعى إلى التّهدئة. ويؤكّد مابيل: “بنظر البابا، لا يجوز أن تنقسم الكنيسة حول قضايا الأخلاق الخاصّة، وهذه المسائل ليست في صلب الرّسالة”، مضيفًا أنّ “جوهر الإيمان الكاثوليكيّ بالنسبة إليه يكمن في مكان آخر، وهو يرفض جعل هذه القضايا محور صراع داخل حبريّته”.

المنعطف الأفريقيّ

من الثّالث عشر إلى الثّالث والعشرين من شهر نيسان، زار البابا لاوون أربع دول أفريقيّة: الجزائر، والكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائيّة. وفي أثناء جولته، كثّف دعواته إلى العدالة الاجتماعيّة، وندّد بعدم المساواة، والفساد، واستغلال “الطّغاة” للموارد الطبيعيّة.

منتقدًا “أولئك الّذين، باسم الرّبح، يواصلون وضع اليد على القارّة الأفريقيّة لاستغلال خيراتها ونهبها”، دعا البابا إلى “كسر قيود الفساد الّتي تشوّه السّلطة وتفرغها من مصداقيّتها”. وبعبارات حازمة، شدّد على أهميّة الدّفاع عن الفقراء، وطالب السّلطات المختلفة “بخدمة الشّعب وتنميته، بدل السّيطرة عليه”.

وعلى الرغم من اتّسام جولته بنبرة صارمة وواضحة، فقد ترافقت أيضًا مع تصعيدٍ في الانتقادات الصّادرة عن دونالد ترامب. إذ نشر الرّئيس الأميركيّ، عقب دعوات البابا المتكرّرة إلى السّلام، منشورًا حادًّا في الثّالث عشر من شهر نيسان على منصّته “Truth Social”، اتّهمه فيه بأنّه “ضعيف”، وبأنّه يدعم البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وبأنّه “كارثيّ في السّياسة الخارجيّة”، و”خاضع لإملاءات اليسار الراديكاليّ”.

في المقابل، اكتفى البابا بالتوجّه إلى الصحافيّين قائلًا إنّه لا ينوي الدّخول في سجال مع ترامب، مؤكّدًا في الوقت عينه أنّه لا يخشى إدارته، وأنّه سيواصل “التّنديد بالحرب، والدّعوة من أجل السّلام، ومن أجل الحوار”. وهو موقف هادئ، ومتّزن، يتناقض مع حدّة خطاب الرّئيس الأميركيّ. ويقول الأب خير الله: “البابا ليس في وهم القوّة المطلقة مثل ترامب، وليس في منطق القويّ الّذي يسحق الجميع، بل على العكس، إنّه رجل الكلمة المتّزنة، ورجل الوداعة، وقوّة الوداعة هي الّتي تنتصر في النّهاية”.

أمّا مابيل، فيعتبر أنّ انتقادات ترامب قد عزّزت شعبيّة البابا وشرعيّته: “اتّخذ الجدل طابعًا دوليًّا، وبرز البابا لاوون كشخصيّة عامّة بالغة الأهميّة، في حين كان أقلّ ظهورًا في السّابق. وربّما أسهمت هذه اللّحظة في ترسيخ حضوره على السّاحة الدوليّة، أو على الأقلّ في الإعلام”.

وعلى متن الطّائرة العائدة إلى روما، تحدّث البابا أيضًا عن صورة طفل لبنانيّ قائلًا: “أحمل معي صورة طفل مسلم، كان يحمل في أثناء زيارتي إلى لبنان، لافتة كُتب عليها: “أهلًا بالبابا لاوون”. وقد أكّد مقتله خلال الحرب الأخيرة”.

وكان البابا لاوون قد توجّه، في أواخر تشرين الثّاني، إلى لبنان، البلد المثقل بأزمات متعدّدة. ويستذكر الأب خير الله تلك الزيارة قائلًا: “في جميع خطاباته، ردّد كلمة الرّجاء في أكثر من مناسبة”، مضيفًا: “وكأنّه كان يدرك طبيعة البلد الّذي يزور: بلد مثقل بالألم، وغارق في الفقر، وفي الحداد بعد تفجير الرّابع من آب. وفي العمق، جاء حاملًا نفحة رجاء، وإيمان”.

في جوهره، يرتبط السّلام، وفق البابا لاوون بضرورة روحيّة قبل أي شيء آخر: “كممثّل للكنيسة، أكرّر، وكراعٍ، لا يسعني أن أؤيّد الحرب”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us