لبنان… المختبر الأقصى لأزمات الحياة اليوميّة!

ترجمة هنا لبنان 5 أيار, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth”:

مياه غير مضمونة، وهواء متدهور، وأدوية تحت الضغط: في بلدٍ يتراجع فيه حضور الدولة، تحوّل الشّرب، والتنفّس، وتلقّي العلاج، إلى ممارساتٍ حذرةٍ. وعلى مستوى مجتمع بأكمله، يختزن لبنان اليوم اختلالات يخشى العالم أن يواجهها غدًا.

لا يبدأ يوم عاديّ في لبنان دائمًا بتوقّعات الطقس، أو الأخبار، أو القهوة. لا بل غالبًا ما يبدأ بسؤالٍ عبثيٍّ، أصبح مبتذلًا من فرط التكرار: ما الّذي يمكن توقّعه بعد؟ وهل تصمد الهدنة؟ وهل يبقى الحيّ في خارج دائرة الاستهداف؟ وهل علينا الإخلاء، أو التخزين، أو الانتظار، أو التأجيل؟

ثم يتسرّب الغموض الجيوسياسيّ تدريجيًّا إلى مطبخنا: كم تبقّى من الماء في القارورة؟ وهل يمرّ عامل التوصيل اليوم؟ وهل لا يزال الفلتر صالحًا؟ وهل دواء الوالد متوافر في الصيدلية؟ والأهم من ذلك، كم سترتفع هذا الشهر فاتورة الاشتراك بمولّد الحيّ الكهربائيّ؟

في الظّاهر، ما من شيء خارج عن المألوف: قارورة ماء، وعلبة دواء، وفاتورة، وصوت محرّك. ولكن، هنا تبدأ السياسة الحقيقيّة، في التفاصيل الدقيقة الّتي توقّفت الدولة عن تأمينها.

ففي لبنان، حتّى الكهرباء الخاصّة باتت رهينة مزاجها الجيوسياسيّ. توترٌ إقليميّ، واضطراب في الأسواق، وارتعاش حول مضيق هرمز، تتحوّل من بعدها الصالونات اللبنانية إلى قاعات الأسواق. ومع الوقت، يكتشف كل بيت انخراطه، من دون قصد، في تحليل الشؤون النفطيّة.

المازوت، والكيلوواط، وتعرفة الحيّ، ونسبة الزيادة، والفاتورة المترتّبة: كلّ منشغلٌ في حساباته الخاصة. ففي لبنان، حتّى الضوء أصبح يتأثّر بأسعار “برنت”.

وهكذا، لم تعد الأزمة محصورةً في الخطابات، أو تقارير الحرب، أو تقلّبات سعر الصرف. لقد هبطت إلى مستوى آخر. وها هي تستوطن المطبخ، والحمّام، والصيدلية المنزلية، والرّئتَيْن، والأحاديث عند الباب مع الجيران. وها هي تتعلّق بأبسط الأفعال: الشرب، والتنفّس، وتلقّي العلاج.

كثيرًا ما حُكيَ عن لبنان وعن حروبه، ومصارفه، والنّخب فيه، وإفلاساته، وأزماته المؤسّسية. وتُكتَب اليوم قصة أخرى، أكثر حميميّة وأكثر كونيّة: قصة مجتمعٍ تتّجه فيه الوظائف الحيوية تدريجيًّا نحو الخصخصة.

فالماء يتحوّل إلى خدمة توصيل، والكهرباء إلى مولّد، والدواء إلى منظومة من المخزون، والسعر، والشبكات، والانتظار. أمّا الصحّة العامة، فتتسلّل شيئًا فشيئًا إلى البيوت.

ويصبح كلّ منزل خليّةً صغيرةً لإدارة المخاطر. خليّة لتخزين المياه، وبعض الأدوية الأساسية، ورقم صيدليّ، وطبيب، وعامل توصيل، وتقنيّ. وفي هذه الخليّة، يتعلّم المرء الحسابات، والاستبدال، والتأجيل، والتقنين، والتحايل. والدولة لا تختفي، لكنّها تتوقّف عن كونها اليقين الصامت الذي يجعل الحياة اليوميّة ممكنةً. وحيث يتراجع دور الدولة، وتلجأ العائلات إلى الارتجال.

المياه: أول فاتورة غير مرئيّة

قد تشكّل المياه أبرز رموز هذا الانهيار الصامت. فالشبكات موجودة، والمؤسّسات قائمة، لكنّ الثقة بها تزعزعت. وفي الكثير من البيوت، لم يعد من البديهيّ اعتبار مياه الصنبور صالحةً للشرب. فهي إمّا مراقَبة، أو مُفلتَرة، أو مُتجنَّبة أحيانًا، وغالبًا ما يُستعاض عنها. فالقوارير، والمرشّحات، والخزّانات، والموزّعون يرسمون جغرافيا موازية للصّمود المنزليّ.

في لبنان، لا يقتصر السؤال على توافر المياه فحسب، بل على مصدرها: كيف نُقلت؟ وكم من الوقت بقيت مخزّنة؟ وتحت أي حرارة؟ وبأي ضمانات؟ فبينما من المفترض أن يشكّل ملء كوبٍ من الماء أمرًا تافهًا، لم يعد كذلك. فالمياه تحوّلت إلى مسألة ثقة، ووسائل، وأحيانًا حظّ.

لا يحمل هذا الشرخ أي طابع دراميّ. ولا يشبه طريقًا مقطوعًا ولا مبنى منشطرًا. إنّه يتقدّم بشكل مختلف: أبطأ، وأكثر خفيّة. ويترسّخ في العادات: شراء القوارير، وتفقّد الخزّانات، وتنظيف المرشّحات، ومقارنة المزوّدين، والحدّ من بعض الاستهلاكات، وتوخّي الحذر. وفي البيوت الأكثر هشاشة، يضغط مباشرةً على الميزانية. وفي بيوت أخرى، يتحوّل إلى قلق عميق كامن، يكاد يصبح طبيعيًّا. وتكمن المشكلة هنا بالذّات.

لا يواجه لبنان وحده، بطبيعة الحال، هذا الضّغط الناتج عن شحّ المياه، أو تهالك الشبكات، أو تراجع الثّقة بالخدمات العامة. لكنّه يقدّم نسخةً مكثّفةً، ومتسارعةً، وبطابع شبه سريريّ. فما يُطرح في أماكن أخرى كخطر مستقبليّ، يواجَه هنا في الوقت الرّاهن. فالمياه لم تعد مجرّد مورد طبيعيّ، بل أصبحت سوقًا، وتحكيمًا، وهاجسًا عائليًّا.

التنفّس: الطارئ الصحيّ الآخر

يتعدّى الهواء في لبنان أزمة التلوّث. فالمولّدات الخاصة لم تعد حلًّا ظرفيًّا، بل أصبحت بنية تحتية موازية قائمة بذاتها، منتشرة في الشوارع، والمواقف، والطوابق السفلية، والفناءات الخلفية. وتتيح العمل، وحفظ الطعام، وشحن الهواتف، وتشغيل المصاعد. لكنّها، في كلّ لحظة، تذكّر بفاتورة هذه الاستمراريّة الطاقويّة على الصحّة.

إذ يُضاف إلى هذا التلوّث المُزمن دخان الضربات العسكريّة، والحرائق، وغبار الدمار، والبقايا الخفيّة والجُسَيْمات الّتي لا يدرك الإنسان، في الكثير من الأحيان، تركيباتها الكيميائيّة. فالهواء المُستنشق لم يعد مجرّد هواء حضريّ متردّي الجودة، بل أصبح مزيجًا من الإرهاق، والحرب، والمازوت، والحرارة، وعدم اليقين.

استخدام الفوسفور الأبيض الموثّق من المنظمات غير الحكوميّة، واتهامات لبنانيّة باستخدام مبيدات الغليفوسات في الرشّ، وبقايا الانفجارات، وحرائق الغطاء النباتي، والجُسيمات الدقيقة، والديوكسينات، والهيدروكربونات العطرية مُتعدّدة الحلقات: لا تلوّث الحرب الهواء فحسب، بل يتسلّل التلوّث إلى التربة، والمياه، والمزروعات، والغابات. وفي ضوء ما يوثّقه المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS-L)، يتحوّل المشهد الطبيعي بحدّ ذاته إلى ملفّ صحيّ مفتوح: ترسانته مرئيّة، أمّا خلفيّته فمشبعة بالسمّ.

وفي بيروت، ليس التلوّث كيميائيًّا فحسب، بل صوتيًّا، وعصبيًّا، وذهنيًّا. ويمتزج هدير المولّدات بطنين الطائرات المُسيّرة الإسرائيلية، التي باتت جزءًا من خلفيّة العاصمة اليوميّة. وفي بعض الأحياء، يصبح هذا الطنين مألوفًا إلى حدٍّ تبدو فيه زقزقة العصافير غريبةً في المشهد. حتّى الهدوء يثير الارتياب في آخر المطاف.

من ثمَّ تأتي الأصوات الثقيلة، الّتي تعبر المدينة، وتجمّد الأحاديث، وتفتح باب الفرضيّات. وفي الأبنية، أو على مجموعات تطبيق واتسآب، أو المقاهي، أو الصّالونات، ينبثق فجأةً جيل عفويّ من خبراء الصواريخ الباليستيّة المنزليّة: ويُقسم أحدهم بأنّه انطلاق صاروخ؛ ويعتقد آخر أنّها طائرة تكسر حاجز الصوت؛ ويتكلّم ثالث عن احتمال إطلاق نارٍ من عرض البحر؛ لا يعرف أحد طبيعة الصوت، لكنّ الجميع يعتقدون أنّهم ربّما تكهّنوا شيئًا. وها هي الحرب قد صنعت “نحوًا” صوتيًّا شعبيًّا.

في الكثير من البلدان، يبقى التلوّث رقمًا، ومَنْحًى، وتقريرًا. أمّا في لبنان، فهو حسّي: يلسع العينيْن، ويعتصر الحلق، ويدخل إلى الغرف، ويرافق اللّيالي الّتي تقطعها أصوات المولّدات. إنّه ليس في الهواء فحسب، بل في صميم الحياة اليومية.

تتّخذ الحداثة فيه أحيانًا شكلًا عبثيًّا. فلتعويض غياب الكهرباء العامّة، نحرق الوقود. ولترميم خللٍ ما، نُفاقم تهديدًا آخر. تفتقر الدولة إلى التيّار، ويتنفّس المجتمع الكلفة.

الدواء: مقياس بلدٍ تحت الضغط

تشكّل الصيدليّة مرصدًا آخر لهذه الأزمة. ففي لبنان، لا تعني الانقطاعات بالضرورة غيابًا تامًّا، بل غالبًا ما تتّخذ شكلًا أكثر التباسًا: دواء متوافر في منطقة ومفقود في أخرى، وقفزة هائلة على مستوى الطّلب، ومرضى ينتقلون إلى مدينة أخرى، وعلاجات أمراض مُزمنة يتعيّن الاستمرار بها على الرغم من الحرب، وعائلات تخزّن تحسّبًا للغد.

في هذا السّياق، يغدو الدواء أكثر من سلعةٍ صحيّةٍ. إنّه مؤشّر ثقة: الثقة بالاستيراد، وبالموزّعين، وبالإنتاج المحليّ، وبقدرة الدولة على التنظيم، وبقدرة صيدلية الحيّ على الطمأنة. فخلف كل علبة دواء للضّغط، أو إنسولين، أو مضاد حيويّ، أو مصل، أو علاج متخصّص، تختبئ سلسلة هشّة.

يمتلك البلد، على الرغم من ذلك، نسيجًا دوائيًّا محليًّا فعليًّا، يضمّ مصانع، وخطوط إنتاج، وأدويةً تُصنَّع محليًّا. غير أنّ هذه القدرة، مهما بلغت قيمتها، لا تُحصّن لبنان من الناحية الصحيّة. فالمواد الأوّلية، والمعدّات، والعلاجات الثقيلة، وسلاسل التوزيع، والقدرات المالية: جميعها تبقى هشّةً أمام أي اهتزاز في الأوضاع.

وفي الأحاديث مع الصيادلة والفاعلين في القطاع، تعود الفكرة عينها: يُشكّل الانقطاع هنا فوضى. فائضٌ في مكان، وكمية غير كافية في آخر. ومخزونٌ موجود، إنّما ليس في الموقع الصحيح. ودواءٌ متوافر، لكنّه باهظ الثمن. وبديلٌ ممكن، لكنّ سوء الفهم يحدّ من استخدامه. وعائلة تشتري أكثر من حاجتها، وأخرى تتراجع أو تؤجّل. وهكذا، تنحصر الصحة في منطقة رمادية، بين توافر نظريّ ووصول فعليّ.

ويختصر عبد الرّحمن مرقباوي، رئيس نقابة الصيادلة في لبنان، الوضع قائلًا: “لا تنشأ النّدرة دائمًا من غياب المخزون، بل قد تنتج عن سوء في الإمداد، أو تكدّس موضعيّ، أو حالة ذعر”.

تُلخّص هذه العبارة جوهر المسألة. ففي ظلّ أزمة، لا يبقى الدواء مجرّد علب معروضة على الرّفوف، بل مسارًا كاملًا: يتعيّن أن يصل إلى المكان المناسب، في الوقت المناسب، وإلى المريض المناسب. ويتعيّن أن يصمد أمام الخوف، والشائعات، والاندفاع نحو التخزين، وحركات النّزوح، والضغوط المالية. وهكذا، لا تكون المعركة الخفيّة دوائيّة فحسب، بل لوجستيّة، ومجاليّة، وتكاد تكون خرائطيّة.

يجسّد لبنان هنا مجموعةً من هشاشات العصر: الاعتماد على الاستيراد، وكلفة العملات، وضعف البنية اللوجستيّة، والحرب، والنزوح، والضغط على المستشفيات، وفقر المرضى. في أماكن أخرى، تُثير النّدرة القلق. أمّا هنا، فتندرج في أزمةٍ أوسع، حيث يعتمد الوصول إلى العلاج على الطب والمال على حدٍّ سواء، وعلى الطريق والصدفة.

حين تصبح الصحّة العامّة شأنًا منزليًّا

ربّما يكمن التحوّل الحقيقيّ هنا. فالصحّة العامّة لم تعد تمارَس حصرًا في المستشفيات، أو الوزارات، أو أنظمة التأمين، بل بدأت تدخل إلى البيوت.

ويطوّر كل منزل منظومته الخاصة: مخزون مائيّ، وبعض الأدوية الأساسيّة، وطبيب يمكن الوصول إليه عبر واتسآب، وصيدلية موثوقة، وبدائل عن الكهرباء، وردّ فعلٍ حذرٍ عندما يصبح تنشّق الهواء خطرًا داهمًا. ما من شيء رسميّ، بل طريقة صمود ذكيّة، تتناقلها الأحاديث اليوميّة، والتنبيهات، والخبرات.

التحوّل هائل. فالفرد يمتصّ تدريجيًّا ما تعجز المؤسسات عن ضمانه. ويتحوّل المواطن إلى بنية تحتيّة. ويصبح المنزل نقطة رعاية أولية. ويتحوّل المطبخ إلى محطة للمياه، والشرفة إلى جهاز يرصد التلوّث، والصيدلية المنزلية إلى مخزون استراتيجيّ.

قد يثير هذا التكيّف الإعجاب أحيانًا، لكنّه يكشف في العمق إرهاقًا ممتدًّا. فالبقاء المستمرّ لا يعني حياةً طبيعيةً، والتأقلم الدائم ليس نمطَ عيش، بل عبء متراكم. وهو عبء يقع أوّلًا على العائلات، والعاملين في القطاع الصحي، والصيادلة، والأطباء، والفئات الأكثر هشاشة.

ومن هنا، لبنان ليس مجرّد حالة محلية. ففي عالم تتقاطع فيه الحروب مع المناخ، والنقص مع انقطاعات الطاقة، وتآكل الثقة بالمؤسّسات، يقدّم لبنان صورةً مكثّفةً لِما يمكن أن تؤول إليه الحياة اليومية تحت الضغط.

من هنا، لم يعد الانهيار في لبنان يُشكّل حدثًا عابرًا، بل أسلوب حياة. ولا يصيب المصارف، أو الطرق، أو الوزارات، أو الحدود فحسب، بل يتسرّب إلى المياه الّتي يشربها المواطن، والهواء الّذي يتنشّقه، والدواء الّذي يبحث عنه. وفي النّجاة من كلّ محنة، حوّل اللبنانيّون الأفعال العاديّة إلى تمارين يقظة.

كثير التّعقيد؟ من دون أدنى شكّ. وكثير الهشاشة؟ في أغلب الأحيان. وكثير الاعتياد على الفوضى؟ بالتأكيد. لكن النّظر إليه كحالة استثنائية يُعادل إغفال الجوهر: فلبنان يفرض نفسه اليوم مختبرًا أقصى لأزمات الحياة اليومية. هذا كلّ ما في الأمر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us