مراكز البيانات: بنى تحتية باتت تشكّل عصب النمو العالمي

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
في كانون الثّاني 2026، كشفت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، الأونكتاد (CNUCED) تجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة المعلنة في مراكز البيانات 270 مليار دولار في خلال عام 2025، أي ما يمثّل أكثر من خُمس قيمة مشاريع الاستثمار الأخضر الإجمالية (Greenfield) حول العالم.
وتصدّرت فرنسا قائمة الوجهات العالمية لهذه الاستثمارات بقيمة 69 مليار دولار من الالتزامات، متقدّمة على الولايات المتّحدة وكوريا الجنوبية. ويعكس هذا المعطى تحوّلًا بنيويًّا عميقًا: فقد أصبحت مراكز البيانات في صلب البنية التحتية الّتي يقوم عليها الاقتصاد الرقميّ المعاصر.
مستودعات رقميّة في قلب المنظومة الرقميّة العالمية
مركز البيانات هو منشأة صناعية متخصصة في تخزين كميّات هائلة من البيانات الرقميّة، ومعالجتها، وتوزيعها. ويضمّ خوادم حاسوبية، وأنظمة تبريد متطورة، وبنى شبكية معقدة، بالإضافة إلى مصادر طاقة احتياطية تضمن استمرارية التشغيل من دون انقطاع، ضمن بيئة مؤمّنة تعمل على مدار الساعة.
لكنّ هذا التعريف التقنيّ لا يعكس أهميته الحقيقية؛ فمراكز البيانات أصبحت اليوم البنية غير المرئيّة الّتي يقوم عليها الاقتصاد الرقميّ: فهي تمكّن الحوسبة السحابية، وتشغّل خدمات الإنترنت، وتدعم منصّات البثّ والتجارة الإلكترونية، وتشكّل الأساس التشغيليّ لتطبيقات الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ.
وتشير تقديرات ماكنزي إلى أنّ الطلب العالميّ على قدرات مراكز البيانات قد يتجاوز ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنويّ مركّب يناهز 22%. كما تتوقّع شركة JLL المتخصّصة في الاستشارات العقارية وإدارة الاستثمارات أن ترتفع القدرة العالمية من 103 غيغاواط في 2025 إلى نحو 200 غيغاواط في 2030، أي تضاعف في خلال خمس سنوات، مدفوع بنمو سنويّ يقارب 14%.
ويُعتَبر الذكاء الاصطناعيّ المحرك الرّئيس لهذا التوسع، إذ لم يكن يمثّل سوى ربع أحمال العمل في مراكز البيانات عام 2025، لكنّه مرشح لأن يقترب من النصف بحلول عام 2030، ما يعكس التحوّل العميق في بنية الاقتصاد العالميّ، واتجاهاته المستقبلية.
دورة استثماريّة غير مسبوقة
تتّسم أبعاد هذه الظاهرة المالية بضخامة غير مسبوقة. إذ تقدّر شركة JLL أنّ العالم سيحتاج إلى تعبئة نحو 3,000 مليار دولار بحلول عام 2030 لتلبية الطّلب المتسارع، منها قرابة 1,200 مليار دولار كقيمة عقارية مرتبطة بإنشاء بنى تحتية جديدة، إضافة إلى ما بين 1,000 و2,000 مليار دولار ستخصّصها الشركات المستأجرة لتجهيزات الحوسبة، بما في ذلك المعالجات الرسومية، والخوادم، وبنى الشبكات التحتية.
وتذهب تقديرات ماكنزي إلى نطاق أعلى بكثير، إذ تشير إلى أنّ الإنفاق الرأسماليّ العالميّ على مراكز البيانات قد يقترب من 7,000 مليار دولار مع نهاية العقد، مع تركّز يفوق 40% منه في الولايات المتّحدة وحدها.
ولا يبدو هذا التحوّل مجرد طفرة قطاعية عابرة. فبحسب S&P Global ، جاء نحو 80% من نمو الطلب الداخليّ الخاص في الولايات المتّحدة في خلال النصف الأول من عام 2025، من مراكز البيانات، وما يرتبط بها من إنفاق تكنولوجيّ. كما ساهم هذا الزخم في رفع الناتج المحليّ الاجماليّ الأميركيّ بنحو 0.5 نقطة مئوية في الربع الثاني من العام عينه، مقارنة بالمسار الطبيعيّ، ما يعني عمليًّا أنّ الاقتصاد الأميركيّ كان سيقترب من الركود لولا هذه الموجة الرقميّة.
تأثيرات محلية أكثر محدودية مما يُروَّج له
رغم هذا الثقل على المستوى الكليّ، تُظهر الدراسات أنّ الأثر المحليّ أكثر تعقيدًا وتفاوتًا. فبحسب مؤسسة Brookings، يشبه نموذج مركز البيانات المستودعات الصناعية إلى حد كبير: طفرة كبيرة في الوظائف في خلال مرحلة الإنشاء، يليها تشغيل محدود بعد بدء النشاط الفعليّ.
وتؤكد أعمال الاقتصاديّ Michael J. Hicks هذا التباين، إذ يمكن أن يخلق مشروع واحد بين 1,000 و10,000 وظيفة في خلال مرحلة البناء، لكنّه لا يؤمّن سوى 50 إلى 400 وظيفة دائمة عند التشغيل.
في المقابل، تشير تقديرات ماكنزي إلى أثر غير مباشر مهم، حيث يمكن أن تولّد كلّ وظيفة في داخل مركز بيانات نحو 3.5 وظائف إضافية في الاقتصاد المحليّ، عبر الخدمات، والبناء، والطاقة، والعقار.
وتُعتَبر فرجينيا الشمالية النموذج الأبرز لهذا التحوّل، إذ تتركز فيها نحو 13% من قدرة مراكز البيانات العالمية، وقد ساهم هذا القطاع في توليد ما يقارب 31 مليار دولار من الناتج الاقتصاديّ المدعوم عام 2023، بحسب مجلس تكنولوجيا فرجينيا الشمالية.
تركيز جغرافيّ واختلالات متزايدة
في المقابل، تحذّر الأونكتاد من تعمّق الاختلالات الجغرافية، إذ تتركّز استثمارات مراكز البيانات في عدد محدود من الاقتصادات المتقدّمة. ففي عام 2025، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبيّ المباشر إلى الدول المتقدّمة بنسبة 43%، بينما تراجعت في الدول النامية بنسبة 2%، مع تسجيل ركود، أو انخفاض، في ثلاثة أرباع الدول الأقل نموًّا.
وتحذّر مؤسسة Brookings من هذه الدينامية على مستوى الولايات الأميركية، حيث موجة التنافس الشديد على استقطاب مراكز البيانات السلطات المحلية، تدفع إلى الانخراط في سباق غير منتج، تُبرم في خلاله اتفاقيات غير متكافئة تميل في الغالب لصالح الشركات التكنولوجية العملاقة، أكثر ممّا تعود بالنفع على المجتمعات المضيفة.
وفي هذا السّياق، ترى المؤسسة أنّ الرابح الحقيقيّ من هذه الدورة الاستثمارية الفائقة لن يكون الجهات الّتي تنجح في جذب مراكز البيانات، بل تلك القادرة على تحويل هذا التمركز إلى رافعة تنموية مستدامة، تُرسّخ منظومة تكنولوجية محلية متكاملة، تشمل تنمية الكفاءات، وتعزيز البحث العلميّ، واحتضان الشركات الناشئة، بدل الاكتفاء بأثر اقتصاديّ ظرفيّ يرتبط بمراحل البناء والتشغيل المحدود.




