الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي: خفايا الحرب الحديثة؟

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:
طائرات مسيّرة ذاتيّة التشغيل، وذكاء اصطناعيّ، وضربات دقيقة: يبدو أنّ ملامح حرب المستقبل واضحة منذ الآن. لكنّ هذا المشهد التكنولوجيّ يخفي جوهر الصراع؛ فما تظهره الآلات ليس سوى جزء منه، وغالبًا ليس الجزء الّذي يحسم الصراع.
على الشاشات، تشبه الحرب واجهة رقميّة، أكثر فأكثر. ترصد طائرة مسيّرة هدفًا، وتُحلّل خوارزميّة المعطيات، ثم تُنفَّذ ضربة. صورة نقيّة، وسريعة، ولا تخلو من أي عيب تقريبًا. تمنح انطباعًا بحرب مُتحكَّم بها، يبدو فيها وكأنّ التكنولوجيا ممسكة بزمام الأمور.
في أوكرانيا، تحوّلت طائرات مسيّرة تجارية، معدّلة لتصبح أقلّ كلفة، إلى أدوات مركزية في ساحة المعركة، قادرة على تعطيل معدّات تفوقها قيمة بشكل كبير. وفي الشرق الأوسط، تعتمد بعض العمليات على سلاسل قرار يتزايد فيها دور التحليل الخوارزميّ. وتتكرّر هذه المشاهد لتقدّم حربًا، يبدو وكأنّ محرّكها الأساسيّ هو التكنولوجيا.
يفرض هذا التصوّر نفسه في كلّ مكان. ففي العقائد العسكرية، وفي التّحليلات ووسائل الإعلام، تُختزل حرب المستقبل في أدواتها، من طائرات مسيّرة ذاتيّة التشغيل، وأسراب روبوتية، وذكاء اصطناعي، وأسلحة فرط صوتية، وهجمات سيبرانية متواصلة. ويُقدَّم الصراع القادم كمسرح لتقنيات تتطوّر بلا هوادة.
لكنّ هذه الصورة، رغم دقّتها الظاهرة، ناقصة ومضلِّلة في أحيان كثيرة.
فمن خلال التركيز على ما هو مرئيّ، تُهمِّش ما هو أكثر حسمًا: البُنى التنظيمية، والشبكات البشرية، والديناميّات الاجتماعية والسياسية الّتي تحدّد فعالية هذه التقنيات.
خلف الطائرة المسيّرة، أنظمة خفيّة
يمكن أن تصيب طائرة مسيّرة هدفًا بدقة، لكنّها لا تعمل أبدًا وحدها. فهي تعتمد على سلاسل لوجستية، وشبكات اتصالات، وأنظمة طاقة، وقدرات صناعية. كما تنخرط ضمن تنظيم عسكريّ، وعقيدة استخدام، واستراتيجية سياسية. وبدون هذا الكلّ، لا تشكّل سوى أداة معزولة.
برهن المحلّل العسكريّ ستيفن بيدل أنّ الأداء العسكريّ غير مرتبط بالتكنولوجيا، بقدر ارتباطه بكيفية إدماجها في نظام قتاليّ متماسك. تنسيق، وانضباط، وتكيّف، وتنظيم: هذه الفعالية ينتجها هذا المزيج.
تُعتَبر حرب الخليج عام 1991 مثالًا واضحًا على ذلك. فقد كانت التكنولوجيا الأميركيّة متقدمة، لكنّ أثرها الحقيقيّ أتى من إدماجها ضمن منظومة شاملة تجمع الاستخبارات، واللوجستيّات، والقيادة، والتفوق الجويّ.
يكشف هذا الاعتماد حقيقة غالبًا ما يُستهان بها: الحرب الحديثة مرتبطة عضويًّا بقواعدها الصناعية. إنتاج الذخائر، والوصول إلى أشباه الموصلات، وصيانة الأنظمة المعقّدة، وتأمين تدفّقات الطاقة… كلّها عوامل تحدّد مدة النزاع وحدّته. وقد يتآكل أي تفوق تكنولوجيّ أوليّ، بسرعة، إذا لم يستند إلى قدرة صناعية مستدامة.
كما أنّ أكثر الأنظمة تطوّرًا قد تتسبّب في نقاط ضعف جديدة. فطائرة F-35، الّتي تُعتبر من أكثر الطائرات المقاتلة تطوّرًا، تعتمد على منظومة رقمية معقّدة في الصيانة والتشغيل. وقد يتحوّل هذا الاعتماد إلى نقطة هشاشة: مركزية البيانات، والاعتماد على البنى التحتية، وقيود الصيانة.
يخفي ما هو مرئيّ، أي الأداء التكنولوجيّ، ما هو أقلّ ظهورًا: التبعيّات، والهشاشات، ونقاط الانكسار.
في الحرب الحديثة، تبقى اللوجستيات، والصناعة، وسلاسل الإمداد عوامل حاسمة. فالجيش لا يقاتل بأسلحته فحسب، بل بقدرته على الاستمرار.
ما لا تظهره الطائرات المسيّرة
يُجسّد الشرق الأوسط اليوم هذا التّباين. فبين إسرائيل، وإيران، وحلفائهما، تبدو القدرات التكنولوجية، من طائرات مسيّرة، وضربات دقيقة، واستخبارات متقدّمة، عالية. مع ذلك، فهي لا تُنتج استقرارًا استراتيجيًا. إذ تشكّل دائمًا الديناميات السياسية، والتوازنات الاقليميّة، ومنطق الرّدع، وتصوّرات الفاعلين مسار الصراع بما يتجاوز الأداء التقنيّ بكثير.
تمنح صور الطائرات المسيّرة انطباعًا بالمسافة والتحكّم. فهي تُظهر ضرباتٍ، وأهدافًا، ومسارات. لكنّها لا تُظهر معنويّات الجنود، ولا تماسك المجتمعات، ولا قدرة الجيوش على التكيّف. مع ذلك، تبقى هذه المتغيّرات حاسمة.
وتقدّم أوكرانيا مثالًا آخر. ففي مواجهة خصم أقوى، عوّضت بعض أوجه عدم التوازن عبر التماسك الوطنيّ، ولا مركزيّة القيادة، وقدرة عالية على الابتكار التكتيكيّ. وقد استند استخدام التقنيات المدنية السريع، مثل الطائرات المسيّرة التجارية وTelegram وStarlink إلى قابلية التكيّف الموزّع هذه.
وإلى جانب هذه العوامل، يبرز بُعد قياسه أكثر صعوبة: الإرادة. فالمعنويات، ودرجة قبول السكان، والاستعداد لتحمّل كلفة النزاع البشرية والسياسية، عناصر لا تلتقطها الحسّاسات ولا الخوارزميّات. ومع ذلك، قد توازي في أثرها الوسائل المادية.
تبقى الحرب في جوهرها تفاعلًا. فالخصم يفكّر، ويتكيّف، ويتجاوز. والاستراتيجية ليست آليّة، بل لعبة توقّعات، قد تكون فيها أخطاء الإدراك حاسمة بقدر القدرات الفعلية. إذ يتّخذ الفاعلون قراراتهم بناءً على معلومات جزئية، وإشارات ملتبسة، وتأويلات قد تكون منحازة. لذلك، ليست الحرب مجرّد مواجهة وسائل، بل أيضًا مواجهة تصوّرات.
وتؤثّر هذه التصورات أصلًا في القرارات الراهنة. فالاستثمارات، والعقائد، والأولويات التكنولوجية، تُوجَّه برؤى مسبقة للمستقبل. ويستخدم الباحثان شيلا جاسانوف وسونغ-هيون كيم مفهوم “الخيالات الاجتماعية-التقنية” لوصف هذه التصوّرات الجماعية الّتي تُشكّل المسارات السياسية والتكنولوجية.
تنتشر هذه الخيالات في العقائد، ومراكز الأبحاث، ومحاكاة الأزمات، كما في الثقافة الشعبية. وهي تفرض تدريجيًّا صورة حرب يهيمن عليها البعد التكنولوجيّ، على حساب ما لا يزال يحسمها فعليًّا.
صحيح أنّ الطائرات المسيّرة تُسرّع وتيرة القتال، لكنّها لا تفسّره. فالتكنولوجيا تُحوّل ساحة المعركة، لكنّها لا تحدّد الأهداف، ولا التضحيات، ولا معنى العنف السياسيّ. ما دامت الحرب لا تزال شأنًا “إنسانيًا”، إن جاز أصلًا استخدام هذا المصطلح.
مواضيع ذات صلة :
غوغل تطلق تطبيقها المالي Google Finance | الذكاء الاصطناعي يضغط على عرش غوغل في سوق البحث | تحذير من هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي |




