من لييج إلى لندن: حملة ترهيب إيرانية خفية

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
منذ بدء العملية الأميركيّة-الإسرائيليّة ضد إيران في الثامن والعشرين من شهر شباط، أصبحت أوروبا مسرحًا ثانويًّا لحملة هجينة مُحكمة التّنظيم. فقد أُحرقت كنائس يهودية، واستُهدفت مدارس يهودية، ووُضعت عبوات بدائيّة الصنع أمام فروع بنك أوف أميركا: لا تقوم الاستراتيجية الإيرانية على الصواريخ، بل على مراهقين يُجنَّدون عبر Snapchat.
مجموعة شبحيّة
وقع انفجار في كنيس لييج في التاسع من شهر آذار. وبعد يوميْن، تبنّت العملية مجموعة مجهولة: حركة أصحاب اليمين الإسلاميّة (HAYI). لم يكن لهذه المنظمة أي وجود موثّق قبل ذلك التاريخ. ومنذ التاسع من آذار، أعلنت الأخيرة مسؤوليّتها عن 17 حادثة في سبع دول أوروبية، مع تركيز ملحوظ في لندن، وروتردام، وأمستردام، وباريس، وميونيخ.
وقد تتبّع المركز الدوليّ لمكافحة الإرهاب (ICCT) أثر المجموعة الرقميّ، فتبيّن أنّ أول ظهور لها كان في التاسع من آذار عبر قناة تيليغرام تابعة لميليشيا “لواء ذو الفقار” العراقية الموالية لإيران. كما يُعاد نشر مقاطع التبني بشكل منهجيّ عبر أربع قنوات عربية مرتبطة بمنظومة تابعة للحرس الثوريّ الايرانيّ، قبل أن يجري تضخيمها عبر شبكات الحوثيّين، وحزب الله.
وأحيانًا، يصل الفاصل الزمنيّ بين الهجوم ونشر الإعلان إلى أقلّ من خمس عشرة دقيقة، ما يشير إلى وصول المعلومات بشكل شبه فوريّ، وهو ما لا يتوافق مع عمل مجموعة مستقلّة.
وقد تكون HAYI واجهة أنشأها جهاز الاستخبارات الايرانيّ لتبنّي عمليات قام هو بتنسيقها، وفق ما نقلته سلطات أوروبية لصحيفة وول ستريت جورنال. وتُعدّ هذه الضبابية عنصرًا بنيويًّا في الآليّة: فبين مجموعة إرهابية تقليدية، وعمليات دولة غير مُعلنة، تشغل HAYI مساحة وسطى متعمّدة تُعقّد أي ردّ حاسم.
النموذج العملياتيّ: الاستعانة بالغير للاختفاء
باتت آليّة التجنيد موثّقة بشكل متزايد. يصف معهد واشنطن نموذجًا أقرب إلى “اقتصاد المهام” (gig economy): يُستهدف فيه شباب، غالبًا من أوساط هشة ومن أصحاب السوابق البسيطة، عبر Snapchat أو Telegram، ويُعرض عليهم ما بين 500 و1.400 يورو مقابل أعمال تخريب، أو ترهيب، يجري توثيقها بالفيديو.
ليس هذا النموذج بعفويّ. ويشير ICCT إلى أنّ إيران سبق أن استعانت بعصابات Foxtrot و Rumba في السويد، كما بعضوٍ سابق في Hells Angels في ألمانيا لتنفيذ هجمات ضدّ كنائس يهودية. وقد أثبتت محكمة الاستئناف في دوسلدورف بأنّ مسؤولًا إيرانيًّا قد موّل سفر هذا المُجنِّد إلى إيران.
وكما يوضح المركز، تحصل طهران، من خلال الاعتماد على الشبكات الإجرامية هذه، على حماية مزدوجة: الإنكار القابل للتصديق، والمرونة التشغيلية الّتي تُغني عن بناء شبكات دائمة مكلفة.
أوروبا: ساحة حرب بالوكالة
لمَ استهداف أوروبا بدلًا من الولايات المتّحدة أو إسرائيل؟ يحدّد مركز صوفان ثلاثة عوامل بنيوية. أولًا، توحّد الحرب فاعلين متباينين، من وكلاء دول، ومجرمين انتهازيّين، وأفراد متطرّفين، حول سردية مشتركة قائمة على الإحساس بالضحية.
ثانيًا، يتيح الاستهداف في أوروبا ممارسة ضغط على الحلفاء الأميركيّين من دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة.
ثالثًا، تتميّز القارة بكثافة الأهداف الرمزية الّتي يصعب حمايتها: كنائس يهودية، ومدارس يهودية، وسفارات، ومؤسسات مالية أميركيّة.
وقد هدّد الجنرال أبو الفضل شكارتشي، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، في العشرين من شهر آذار، باستهداف “الحدائق، والمناطق السياحية، ومواقع الترفيه” حول العالم. وكما يشير مركز صوفان، لا تنفي مثل هذه التصريحات العلنية العمليات السرّية غير القابلة للنسب، بل تُكمّلها نفسيًّا.
استجابة أوروبية مجزّأة
حتّى الآن، جرى تنفيذ أربع وأربعين عملية توقيف: 28 في المملكة المتّحدة، و10 في هولندا، و4 في فرنسا، و2 في بلجيكا. لكنّ الأطر القانونية لا تزال متباينة. فهولندا وفرنسا تلاحقان القضايا بتهمة “التآمر الإرهابي”، بينما تكتفي لندن بتطبيق قانون الحرق العمد، رغم إدارة وحدة مكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة التحقيق فيها.
تعكس هذه التجزئة فعالية النموذج الإيراني بدقّة. فمن خلال إبقاء العمليات دون عتبة سقوط قتلى، تتجنّب طهران أي ردّ موحّد، بينما تفرض في الوقت عينه استنزافًا متواصلًا للموارد الأمنية. ويصبح الخوف، والإرهاق المؤسسيّ، والأثر الإعلامي الأسلحة الفعلية، كما يلخّص مركز صوفان: “الانتشار، والإنكار، والخوف كسلاح فعليّ”.
تبقى أوروبا بلا عقيدة موحّدة في مواجهة هذه الحرب الخفيّة. وربما يشكّل هذا انتصار طهران الأكثر صمتًا.




