“بوك توك” و”بوكستغرام”: القوة الجديدة في عالم الكتب!

ترجمة هنا لبنان 8 أيار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتبت Bélinda Ibrahim  لـ”Ici Beyrouth“:

بعد أن توجّهت أصابع الاتهام إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ بإبعاد الشباب عن الكتب لفترة طويلة، ها هي تتحوّل اليوم، على نحو مفارق، إلى محرّك ومحفّز للقراءة. فعلى “تيك توك” و”إنستغرام”، يفرض المؤثّرون الأدبيّون توصياتهم، ويؤثرون في المبيعات، ويُعيدون تشكيل قواعد عالم النشر التقليديّة.

اعتُبرت وسائل التواصل الاجتماعيّ، لفترةٍ طويلةٍ، العدوّة الطبيعية للقراءة. فالصيَغ القصيرة، والتّمرير المتواصل، والفيديوهات السريعة… بدت جميعها وكأنّها تتعارض مع الزمن الطويل الّذي يفرضه الكتاب. مع ذلك، يفرض مشهد غير متوقّع نفسه منذ سنوات: تحقّق الكتب نجاحًا لافتًا على هذه المنصات، خصوصًا لدى الأجيال الشابة.

على تيك توك، يحصد وسم #BookTok اليوم مئات مليارات المشاهدات. وعلى إنستغرام، تستمرّ الحسابات المخصّصة للكتب باستقطاب مجتمعات متنامية. ويقوم مؤثرون أدبيّون، يُعرفون باسم “بوكتوكرز” و”بوكستغرامرز”، بتصوير ردود فعلهم بعد القراءة، ومشاركة توصياتهم، وتحويل بعض الروايات إلى ظواهر ثقافية حقيقية.

المفارقة لافتة. يقرأ الشباب لفترات أقصر من السابق، لكنّ الكتب لم تكن يومًا بهذا الحضور في داخل عالمهم الرقميّ. لم تعد القراءة تُقدَّم كنشاط مدرسيّ أو فكريّ، بل أصبحت موضوعًا للنقاش، وموضوعًا جماليًّا، وأحيانًا، صيحةً رائجةً حتّى.

يُعيد هذا التحوّل تشكيل الطريقة الّتي يكتشف بها القرّاء الكتب بشكلٍ عميقٍ. فعلى مدى عقود، كانت الشخصيّات المرجعية في التوصية مستقرّة نسبيًّا: نقّاد أدبيّون، أو صحافيون ثقافيّون، أو كتّاب، أو أساتذة، أو أمناء مكتبات. وكانت شرعيّتهم تقوم على الخبرة، والقدرة على التّحليل.

أمّا اليوم، فتُنافس هذه المكانة فئةً جديدةً من صانعي المحتوى. لا يدّعي هؤلاء، بالضرورة، خبرة أدبية تقليدية. وتكمن قوّتهم في مكان آخر: في قربهم من جمهورهم، وفي قدرتهم على الحديث عن الكتب بعفويّة.

تختلف نبرتهم عن النقد التقليديّ. فبينما تركّز البرامج الأدبية أو الصحف المتخصّصة، غالبًا، على تحليل الأسلوب، والبناء السرديّ، والإحالات الثقافية، يتحدّث المؤثّرون أساسًا عن المشاعر. يروون إحساسهم، أو يُظهرون دموعهم بعد رواية مؤثّرة، أو حماستهم تجاه شخصية ما. وهكذا يصبح الكتاب تجربةً شخصيةً حميمةً قابلةً للمشاركة.

تلقى هذه المقاربة صدىً خاصًّا لدى القرّاء الشباب. ففي سوق مكتظّ، تُنشر فيه عشرات آلاف العناوين الجديدة كل عام، قد يصبح اختيار كتاب مهمة مُرهِقة. هنا، يتقدّم المؤثرون بحلّ بسيط: يختارون عددًا محدودًا من العناوين، ويسلّطون الضوء عليها، ويخلقون حولها موجةً من الفضول الجماعيّ.

أصبح أثر هذه الظاهرة الاقتصادي ملموسًا، إذ تجمع بعض دور النشر وسائل التواصل الاجتماعيّ بالكامل في استراتيجيّاتها التسويقية. كما يتلقّى المؤثرون كتبًا قبل صدورها، ويشاركون في فعّاليات حصرية، أو يتعاونون مع الناشرين، مباشرة، للترويج لعناوين محدّدة.

العودة الكبرى للكلاسيكيّات الأدبية

تواكب المكتبات والمتاجر الثقافية الكبرى هذا التحوّل، إذ تظهر في الكثير من الأقسام مساحات مخصّصة لـ”الكتب المشاهدة على تيك توك”، وتعيش بعض الروايات حياة ثانية بفضل الشبكات الاجتماعية، أحيانًا بعد سنوات من صدورها.

يظهر هذا التأثير بوضوح في أدب الرومانسيّة المعاصرة و”الرومانسيّة الجديدة”، وهما من أكثر الأنواع شعبية على BookTok، إذ تصبح كتب، تُروَّج عبر مقاطع فيديو فيروسية، الأكثر مبيعًا عالميًّا في خلال أسابيع قليلة. وبالنسبة إلى الناشرين، أصبح تيك توك أداةً تجاريةً رئيسيةً قادرةً على تحويل عمل أدبيّ هامشيّ إلى نجاح عالميّ.

لكنّ الشبكات الاجتماعية لا تُعيد إبراز الإصدارات الجديدة فحسب. بل تشهد أيضًا عودةً لافتةً للأعمال الكلاسيكية لدى الأجيال الشابة، إذ يظهر جين أوستن، وفرانز كافكا، وفيودور دوستويفسكي اليوم في آلاف الفيديوهات القصيرة. وتصبح بعض الاقتباسات فيروسيّةً، ما يُعيد إحياء الاهتمام بأعمال اعتُبرت أحيانًا صعبة، أو بعيدة عن الذائقة الثقافية المعاصرة.

تستند قوة هؤلاء المؤثرين إلى الثقة الّتي يمنحها لهم متابعوهم، بشكلٍ كبيرٍ، إذ تقوم العلاقة بينهم وبين جمهورهم على إحساسٍ بالقرب والصدق. ويشعر الكثير من المتابعين بأنّهم يتلقّون توصيات من صديق، لا من ناقد محترف.

كما يؤدّي عدد المتابعين دورًا أساسيًّا. فكلما ازداد عددهم عند المؤثر، ازدادت مصداقية توصياته لدى الجمهور. ويصبح النجاح الظاهر لكتاب ما بمثابة تصديق جماعيّ: فإذا تحدّث آلاف الأشخاص عن الرواية عينها، يميل الكثيرون بطبيعة الحال إلى اكتشافها بدورهم.

تطرح هذه الدينامية مع ذلك تساؤلات متعدّدة، إذ غالبًا ما تميل الشبكات الاجتماعية إلى تفضيل المحتويات العاطفية، والسريعة، وذات الانتشار الواسع. ويخشى بعض المراقبين من توحيد الأذواق، أو من هيمنةٍ متزايدةٍ للكتب “الفيروسيّة”، على حساب أعمال أكثر هدوءًا أو تعقيدًا، أو أقلّ توافقًا مع قواعد المنصّات.

ثمّة أيضًا خطر انزلاق القراءة إلى منطق باقي المنتجات الثقافية الرقمية: الاستهلاك السريع، والاتجهات العابرة، والاعتماد على الخوارزميّات. وفي هذا السياق، قد تصبح قابلية الظهور معيارًا لا يقلّ أهميةً عن الجودة الأدبية.

لكنّ اختزال BookTok وBookstagram في مجرّد أداة تسويقية يبقى غير كافٍ، فنجاحهما يكشف أيضًا عن حاجة عميقة إلى مشاركة الكتب. وقد نجحت هذه المجتمعات في إعادة إدراج القراءة ضمن نقاشات الأجيال الشابة اليومية، أحيانًا بما يفوق تأثير بعض المؤسّسات الثقافية التقليدية.

خلف الفيديوهات القصيرة والوسوم، يعود جيل جديد لاكتشاف متعة القراءة، إنّما وفق قواعدَ، أعادت الشبكات الاجتماعية تشكيلها بشكل عميق.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us